يرى الخبير البروفسور بيار الخوري أنّ لبنان يتجه في عام 2026 إلى احتلال موقع محوري في تجارة الخردة العابرة للحدود، مستفيداً من موقعه الجغرافي الذي يربط الأسواق العربية الناشئة بمراكز إعادة التدوير الكبرى في تركيا وأوروبا. ويشير إلى أنّ هذا الدور تعزّز بفعل مرونة الموانئ اللبنانية، ولا سيما مرفأي بيروت وطرابلس، اللذين شكّلا منصّة لوجستية فعّالة لدعم حركة هذه التجارة، مع شبكات شحن متخصصة في نقل المعادن والنفايات الصلبة. ومع تصاعد الاضطرابات الإقليمية وتعطّل بعض مسارات الترانزيت التقليدية، تحوّلت الواجهة البحرية اللبنانية إلى بديل أسرع وأقل كلفة، ما جعل تجارة الخردة ملاذاً استثمارياً جذاباً لرأس المال المحلي الباحث عن السيولة بالعملات الصعبة.

غير أنّ هذا الصعود تُرافقه ثغرات تنظيمية واضحة، إذ تعاني الرقابة الرسمية من فجوات تحول دون التحقق الكامل من المصادر المشروعة للمواد المصدرة، كما تفتقر الأطر القانونية إلى آليات فحص إشعاعي وبيئي صارمة في جميع نقاط الخروج. وتشير التحديات اللوجستية إلى صعوبة ملاحقة شبكات الجمع غير المنظمة، ما يستدعي تحديثاً شاملاً للتشريعات الجمركية وربطها بالاتفاقيات الدولية لتجارة النفايات الخطرة والمعادن.

ويضيف الخوري أنّ استنزاف الخردة المعدنية وتصديرها إلى الخارج يحرم المصانع اللبنانية من خلق قيمة مضافة وتطوير صناعات تدوير متقدمة، إذ غالباً ما تختار الشركات الربح السريع من التصدير على الاستثمار في تكنولوجيا الصهر والتحويل، وهي استثمارات تتطلب استقراراً في الطاقة وبنية تحتية مكلفة. ويؤكد أنّ فرض رسوم تصدير تصاعدية وتشجيع إبقاء جزء من المواد داخل السوق المحلي قد يحوّل هذا القطاع إلى رافعة صناعية مستدامة.

ويشير الخوري إلى أنّ لبنان بدأ يتحول من ممر ترانزيت إلى مركز صناعي لتحويل الخردة بفضل حوافز مالية وضريبية، منها إعفاءات تصل إلى 50٪ من ضريبة الأرباح على الصادرات الصناعية ذات المنشأ اللبناني، إضافة إلى نظام «عقد الصفقة الحزمة» الذي يوفر إعفاءات ضريبية كاملة قد تمتد حتى عشر سنوات للمشاريع الصناعية الكبرى. كما تشمل الحوافز إعفاءات جمركية لاستيراد الآلات والمعدات وخطوط الإنتاج، إلى جانب دعم مالي مباشر للمصانع القادرة على معالجة كميات محددة من الخردة المحلية، وتمويل مشاريع الطاقة البديلة لخفض فاتورة الكهرباء.

وتتجه السياسات الحكومية أيضاً إلى إنشاء نظام تتبع رقمي للشحنات لضمان الامتثال للمعايير البيئية وحماية البنية التحتية للموانئ، وإنشاء مناطق صناعية متخصصة وبنية تحتية متطورة بأسعار مدعومة، مع تبسيط إجراءات الحصول على رخص الإنتاج وتسريع التخليص الجمركي للصادرات التي تمر بمراحل تحويلية داخل لبنان. ويخلص الخوري إلى أنّ هذه الخطوات، إذا نُفّذت بجدّية، كفيلة بإبقاء القيمة الاقتصادية داخل الحدود الوطنية، وتحويل تجارة الخردة من نشاط تجاري عابر إلى ركيزة أساسية في استراتيجية التنمية المستدامة.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

Share with your friends