قال الخبير الاقتصادي بيار الخوري في حديث خاص لوكالة “شفقنا” إنّ “شروط صندوق النقد الدولي تحمل في ظاهرها نوايا إصلاحية، تركز على إعادة هيكلة القطاع المالي وضبط الإنفاق وتعزيز الشفافية”، مشيرًا إلى “أنّ التجارب الدولية أظهرت أن هذه الشروط قد تكون سيف ذا حدين”.
وأضاف: “في اليونان مثلاً، فُرضت إجراءات تقشفية قاسية بين عامي 2010 و2015 أدت إلى استقرار نسبي في المالية العامة، لكنها تركت آثاراً اجتماعية مدمرة، ارتفعت البطالة إلى أكثر من 25% وتراجع مستوى المعيشة بشكل كبير، وفي الأرجنتين، تكررت تجربة اللجوء إلى الصندوق، إذ أعادت البلاد التفاوض على قروضه أكثر من مرة خلال العقدين الماضيين، والنتيجة كانت دورات متتالية من الانكماش الاقتصادي والتضخم المرتفع وفقدان الثقة الشعبية بالمؤسسات”، لافتًا إلى أنّ “هاتين التجربتين توضحان أن الإصلاح المالي إذا لم يُدعَم برؤية اجتماعية متكاملة، يتحول إلى عبء يفاقم أزمات الفئات الضعيفة بدلاً من معالجتها”.
وأردف الخوري: ” لبنان يعيش وضعاً مشابهاً: الشروط التقنية للصندوق قد تفتح باباً لضبط المالية العامة، لكنها وحدها لا تكفي لإنقاذ بلد مثقل بأزمات متعددة الأبعاد، وما ينقص هو الخطة الوطنية الواضحة والجرأة في التنفيذ”، موضحًا أنّ “غياب قرار محلي موحد يجعل شروط الخارج وكأنها الخيار الوحيد، فيما توجد بدائل داخلية يمكن البناء عليها لو توفرت الإرادة السياسية، مثل إصلاح النظام الضريبي بشكل عادل، تحفيز القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة والسياحة، أو إطلاق برامج استثمار في البنى التحتية تؤمن نمواً مستداماً. ومن دون هذه الرؤية، يصبح التدخل الخارجي بديلاً عن القرار الوطني بدل أن يكون عاملاً مسانداً له”.
وتابع: “في ظل حضور ممثلي الصندوق على طاولات النقاش في قضايا دقيقة مثل رواتب القطاع العام، يتضح أن استقلالية القرار المالي في لبنان أصبحت محدودة. ومع ذلك، يمكن النظر إلى تجارب دول مثل البرتغال التي استطاعت أن توازن بين شروط الصندوق وخططها الوطنية، فخرجت من أزمتها عام 2014 بخسائر اجتماعية أقل نسبياً بفضل اعتماد سياسات دعم اجتماعي متوازنة”.
وأشار الخوري إلى أنّه “انطلاقاً من هذه التجارب، يتبيّن أن لبنان بحاجة إلى تحويل دروس الآخرين إلى خطة عمل محلية واضحة، ومن اليونان يمكن استخلاص ضرورة تجنّب التقشف الأعمى عبر وضع شبكات أمان اجتماعي تضمن حماية الفئات الأضعف، وفي تجربة الأرجنتين تبرز أهمية المصداقية والاستمرارية، إذ إن تبديل السياسات كل بضع سنوات أدّى إلى فقدان الثقة وتفاقم الأزمات، وهو ما يجب أن يتجنبه لبنان عبر التزام طويل المدى بخطة إصلاح واحدة، أما من البرتغال، فالعبرة في إمكانية التوفيق بين شروط الخارج وأولويات الداخل، من خلال مزيج من الإصلاحات المالية والدعم الاجتماعي، ما سمح للبلاد بالخروج من الأزمة بأقل الخسائر”.
وختم الخبير الاقتصادي حديثه بالقول: “التطبيق اللبناني لهذه الدروس يقتضي وضع خطة وطنية شاملة، ترتكز على إصلاح ضريبي عادل، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، واستثمار في البنى التحتية والطاقة، وتوزيع أعباء الإصلاح بشكل متوازن”، ومؤكّدًا أنّه “بذلك يمكن تحويل تدخل صندوق النقد من عامل إملاء إلى عنصر دعم، شرط أن تكون الأولوية لمشروع محلي يستند إلى رؤية وسيادة وطنية واضحة”.
للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

