سيشهد الملف الصحي للنازحين السوريين تحوّلاً قاسياً مع توقف دعم الاستشفاء مطلع تشرين الثاني 2025، في ظل أزمة تمويل حادة طاولت المنظومة الإنسانية بأكملها داخل لبنان. هذا القرار لا يأتي في فراغ، بل يتصل بتراجع التزامات المانحين منذ 2023، وتحول أولويات الدول الداعمة نحو أزمات أخرى كأوكرانيا وغزة وأفريقيا، بالتوازي مع ضغط سياسي لبناني متصاعد للمطالبة بإعادة اللاجئين ووقف ما يُسمّى «جاذبية البقاء». ومع الانهيار المالي اللبناني وتراجع قدرة الدولة على دعم النظام الصحي، وجد ملف الاستشفاء نفسه في قلب معادلة تقول: لا تمويل دولي، ولا قدرة محلية على التعويض، ولا رؤية مشتركة لإدارة الأزمة.

توقّف التغطية الصحية ستكون له ارتدادات صحية فورية وخطيرة على عشرات آلاف المرضى. جزء كبير من النازحين يعتمد على المساعدات لمتابعة أمراض مزمنة مثل السكري وضغط الدم والربو والفشل الكلوي، وهذه الحالات تحتاج إلى متابعة وفحوص وعلاج منتظم لا يمكن تأجيله. الحالات الطارئة والجراحات الأساسية والولادات ستكون الأكثر تأثراً، إذ لا قدرة مالية لمعظم الأسر على تحمل كلفة الدخول إلى المستشفى. خلال العام 2024 أظهرت بيانات تقييمات ميدانية أن نسبة كبيرة من السوريين امتنعت أصلاً عن تلقي العلاج بسبب الكلفة، ومع وقف الدعم سيصبح الحرمان الصحي كاملاً تقريباً، ما يعني ارتفاعاً محتملاً في الوفيات والإعاقات الدائمة ومضاعفات يمكن، في الظروف الطبيعية، تفاديها بسهولة. ومع غياب البدائل، سيزداد الضغط على المستشفيات الحكومية الطارئة، التي تشكو أصلاً من نقص في التمويل والتجهيزات.

الصدمة الصحية ستتوسع اجتماعياً. الأسرة التي تعجز عن علاج طفل مريض أو ربّ أسرة مصاب بمرض مزمن ستنزلق نحو مستويات أعمق من التدهور الصحي والفقر. اللجوء إلى الطرق غير المشروعة سيتصاعد، والإنفاق على الصحة سيتم تعويضه من الغذاء والتعليم والسكن. هذا سيعني مزيداً من التسرب المدرسي، مزيداً من عمالة الأطفال، ومزيداً من الانهيار النفسي داخل العائلة. كما يُرجّح أن تتزايد حالات التشرّد أو الانتقال إلى مساكن أقل أمناً مع تفضيل الأسر تأمين أدنى احتياجات البقاء على أي كلفة أخرى. في مجتمع يعيش فيه السوري في الأصل تحت ضغط قانوني واقتصادي ومعيشي، فإن حرمانه من العلاج يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية وصحية ومجتمعية لا تقتصر عليه وحده، بل تمتد لتصيب المجتمع اللبناني أيضاً عبر انتشار الأمراض وارتفاع التوترات.

برغم قتامة المشهد، لا يزال ممكناً تجنّب الانهيار الكامل إذا جرى التحرك سريعاً نحو بدائل واقعية يمكن تطبيقها. المطلوب أولاً إنشاء آلية طوارئ قصيرة الأمد للرعاية المنقذة للحياة والولادات والحالات الحرجة فقط، بتمويل جسري يضمن استمرارية العمل في المستشفيات حتى منتصف 2026. كما يمكن تقليص الضغط على الاستشفاء عبر توسيع الرعاية الأولية منخفضة الكلفة، وتفعيل العيادات المتنقلة في المناطق الأكثر فقراً، وتأمين الأدوية الأساسية للأمراض المزمنة عبر شبكة مراكز الرعاية الصحية. ويمكن تعويض جزء من العجز عبر شراكات مع منظمات طبية كأطباء بلا حدود والصليب الأحمر، وبرامج قسائم صحية مخصصة للأسر الأكثر انكشلفاً، مع تشديد الرقابة على الفواتير الطبية وتوجيه الإحالات الاستشفائية نحو الحالات الضرورية فقط. ومن الضروري إشراك البلديات، والمجتمع المحلي، والجامعات والمستشفيات التعليمية في توفير خدمات دورية مجانية أو منخفضة الكلفة في الحد الأدنى، ريثما تستعيد المنظومة الدولية قدرتها على التمويل.

إن ترك النازحين بلا استشفاء لن يؤدي إلى خفض الأعباء بل إلى مضاعفات صحية واجتماعية واقتصادية أخطر بكثير على الجميع. القرار واقع، لكن المسار ليس قدراً. ما يمكن إنقاذه اليوم يعتمد على السرعة والجدية في بناء بدائل واقعية تمنع تحوّل الأزمة إلى كارثة إنسانية داخل مجتمعين مهددين معاً: المجتمع النازح والمجتمع المضيف. على أمل عودة النازحين إلى سوريا في القريب العاجل.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا 

Share with your friends