نُشرت هذه المداخلة ضمن تقرير اقتصادي في صحيفة لوريان لو جور، حيث قدّم بيار الخوري قراءة تحليلية لتراجع أسعار الذهب رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، في سياق يبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع السلوك التقليدي للأسواق.
يشرح بيار الخوري في مداخلته أن فهم حركة أسعار الذهب الحالية يتطلب تجاوز الفرضية الكلاسيكية التي تربط تلقائيًا بين الحروب وارتفاع المعدن الأصفر كملاذ آمن. فبحسب تحليله، نحن أمام مرحلة مختلفة تحكمها أولويات اقتصادية ومالية أكثر تعقيدًا، حيث باتت السيولة النقدية (Cash Liquidity) هي العامل الحاسم، وليس فقط البحث عن الأمان التقليدي. في الظروف الراهنة، ومع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في مضيق هرمز والهجمات المرتبطة به، ارتفعت الحاجة العالمية إلى الدولار لتمويل واردات الطاقة، ما دفع الحكومات والمستثمرين إلى إعادة توجيه محافظهم المالية بعيدًا عن الذهب نحو الأصول السائلة.
ويشير الخوري إلى أن هذا التحول لا يعني انهيارًا في أسعار الذهب، بل هو أقرب إلى عملية “إعادة توزيع للأصول” (Portfolio Reallocation)، حيث يتم تحويل جزء من الاستثمارات نحو قطاعات الطاقة، لا سيما النفط والعقود الآجلة المرتبطة به. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المخاطر الحالية ليست فقط جيوسياسية، بل أيضًا تضخمية مرتبطة بالطاقة، ما يفرض أولويات جديدة في إدارة المخاطر.
كما يلفت إلى عامل مهم آخر يتمثل في قوة الدولار الأمريكي، إذ إن ارتفاعه يقلل من جاذبية الذهب عالميًا، نظرًا لأن تسعير الذهب يتم بالدولار. ومع تراجع توقعات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، عاد الدولار ليكتسب قوة، ما زاد الضغط على أسعار الذهب. كذلك، فإن طبيعة الذهب كأصل غير مُدرّ للعائد (Non-yielding asset) تجعله أقل جاذبية مقارنة بالأدوات المالية التي توفر سيولة أو عوائد مباشرة في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.
وفي بعد أكثر عمقًا، يوضح الخوري أن سلوك المصارف المركزية يشهد تحولًا ملحوظًا؛ فبعد أن كانت تشتري الذهب بكثافة في عام 2025 لتنويع الاحتياطيات، أصبحت اليوم تميل إلى تعزيز احتياطياتها النقدية، استجابةً لاحتياجات السوق الفعلية المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية. هذا التحول يعكس تغيرًا في مفهوم “الأمان المالي”، حيث لم يعد الذهب وحده كافيًا، بل باتت السيولة الفورية عنصرًا أساسيًا في مواجهة الأزمات.
ورغم هذا التراجع، يؤكد الخوري أن الاتجاه العام لـ أسعار الذهب على المدى المتوسط والطويل لا يزال مدعومًا بعوامل أساسية مثل التضخم وعدم الاستقرار العالمي، ما يعني أن ما نشهده اليوم هو مرحلة تصحيح أو إعادة تموضع، وليس تغييرًا جذريًا في مكانة الذهب ضمن النظام المالي العالمي.

