يوضح الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ “العربي الجديد”، أن الوضع الراهن يختلف جذرياً عن أي نقاش سابق حول رفع العقوبات، إذ إن السياق الحالي يفرض معطيات جديدة لا يمكن تجاهلها، فقد أغلقت إيران مضيق هرمز في 28 فبراير/ شباط الماضي عقب الضربات الأميركية الإسرائيلية، وتتمحور المفاوضات الحالية حول صفقة تقايض بين إعادة فتح المضيق ووقف الحصار على الموانئ الإيرانية، مع فترة انتقالية للتفاوض النووي، ما يعني أن أي رفع للعقوبات لن يكون حدثاً اقتصادياً عادياً بل سيأتي في سياق إيران الخارجة من حرب وبنية تحتية متضرّرة ونظام سياسي منهك، وهو ما يقلب افتراضات تقليدية كثيرة.

وتظهر التناقضات الجوهرية بوضوح على صعيد أسواق النفط، فالخليج يعاني حالياً من ارتفاع حاد في الأسعار بسبب الإغلاق، وأي اتفاق محتمل يعيد فتح المضيق سيؤدّي، حسب الخوري، إلى خفض هذه الأسعار فوراً، خصوصاً أن ملايين البراميل يومياً من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية محاصرة داخل الخليج نتيجةً لإغلاق مضيق هرمز والحصار البحري لمحيطه.

وفي حال رُفعت العقوبات عن إيران كاملة وعادت صادراتها تدريجياً إلى الأسواق العالمية بالتوازي مع استقرار العرض والطلب، فقد تتعرض أسعار النفط لضغوط هبوطية كبيرة، حسب الخوري، الذي يصف سيناريو كهذا بأنه يمثل “مستوى كارثياً على الموازنات الخليجية”، لكن السياق الراهن يُعقّد هذا التوقع لأن إيران خرجت من حرب وبنيتها التحتية النفطية متضررة، لذا فإن عودتها للأسواق ستكون تدريجية، ما يمنح الخليج هامش وقت للتكيف، حسب تقديره.

وتتسم معادلة الرابح والخاسر من رفع الحصار البحري ورفع العقوبات جزئياً بازدواجية واضحة حسب تقدير الخوري، إذ إن إعادة فتح هرمز تعني عودة تدفق الصادرات الخليجية أيضاً، فالإغلاق لا يطاول النفط وحده بل يحبس كذلك 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، فضلا عن البتروكيماويات واليوريا والأمونيا والألومنيوم، لافتا إلى أن دولاً مثل الإمارات وقطر تضرّرت من الأزمة رغم ارتفاع الأسعار.

وفي المقابل، تعني التهدئة، حسب الخوري، خسارة علاوة سعر الأزمة وعودة إيران منافساً، وتراجع الورقة الجيوسياسية التي يمنحها الاضطراب الإقليمي ثقلاً أكبر في التفاوض مع واشنطن، معتبرا أن إعلان السعودية والإمارات وقطر والبحرين دعمها الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران يكشف أن هذه الحكومات حسبت المعادلة وقرّرت أن الاستقرار يخدم مصالحها البعيدة أكثر من الريع المرتفع الناتج عن أزمة خطرة، لكن هذا الخيار الاستراتيجي لا يلغي أن الاقتصادات الخليجية قد تواجه على مدى السنوات المقبلة بيئة أكثر تنافسية وأقل دعماً للأسعار المرتفعة، بما يسرّع الحاجة إلى إنجاح برامج التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الإيرادات النفطية.

نقاط التنافس الحقيقية

ولا تتسم المنافسة الاقتصادية والاستثمارية بالأفقية بين إيران والخليج في كل المجالات، بل تتركز نقاط التنافس الحقيقية، حسب تقدير الخوري، في ثلاثة مجالات رئيسية، أولها: سوق النفط، حيث كانت إيران تصدر 1.38 مليون برميل يومياً حتى في ظل زخم العقوبات وهامش الزيادة بعد رفعها كبير. وتمثل سوق الاستثمار الأجنبي ثاني مجالات التنافس حسب الخوري، حيث تمثل إيران ذات الـ 90 مليون مستهلك والبنية الصناعية الأكثر تنوعا وجهة جذابة لرأس المال الأوروبي والآسيوي.

ويتمثل ثالث مجالات التنافس الإيراني الخليجي في قطاع البتروكيماويات الذي يتقاطع مع التوسّعات الكبرى لشركات أرامكو وسابك وأدنوك، غير أن إيران ستحتاج سنوات لإعادة بناء ثقة المستثمرين وستبقى عقبات النظام المصرفي والحوكمة قائمة حتى مع رفع جزئي للعقوبات، بحسب تقدير الخوري.

ويرى الخبير أن قطاع الموانئ والتجارة هو الأكثر حساسية في الجيواقتصاد الإقليمي، إذ بنى ميناء جبل علي جزءا من ثقله التجاري على عزل إيران لعقود، ولكن عودة ميناء شهيد رجائي وتطوير ميناء شابهار يفتحان خطوط تجارة بديلة نحو آسيا الوسطى وأفغانستان وجنوب آسيا، وهي أسواق كانت تمر عبر الإمارات بحكم الضرورة، كما أن إيران تمتلك عمقا جغرافيا يجعلها ممرا تجاريا طبيعيا لا يمكن استبداله، ما يغير ديناميكيات التجارة الإقليمية بشكل جذري.

وتتمثل القطاعات الخليجية الأكثر ربحا من رفع الحصار البحري والعقوبات عن إيران في ثلاثة قطاعات، حسب الخوري، أولها: الخدمات المالية، موضحا أن المصارف الخليجية تملك موقعا مثاليا لتكون وسيطا في الانفتاح الإيراني كما جرى جزئيا بعد عام 2015. ويمثل البناء والبنية التحتية ثاني القطاعات المستفيدة، وفق الخوري، حيث ستحتاج إيران إلى إعادة تعمير ضخمة وتعتبر شركات الإنشاءات الإماراتية والسعودية لاعبا محتملاً فيها، إضافة إلى السياحة التجارية لدبي التي استوعبت الطلب الإيراني قبل التصعيد.
بينما يتمثل القطاع الأكثر تضرّراً، حسب تقدير الخوري، في الغاز القطري، إذ إن إيران وقطر تتشاركان حقل الشمال أو بارس الجنوبي، وهو أكبر حقل غاز في العالم، وإيران “المنفتحة” ستسرع تطوير حصتها وتضغط على قطر في الأسواق الأوروبية والآسيوية، إلى جانب البتروكيماويات السعودية والإماراتية ومنظومة “أوبك+” التي ستعاني توترات داخلية حادة من إعادة تخصيص الحصص.

يخلص الخوري إلى أن المكاسب الخليجية المباشرة من أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد تتمثل في استعادة تدفق الصادرات المحتجزة وتهدئة المخاطر الجيوسياسية، إلا أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك، حين تعود إيران تدريجيا إلى أسواق الطاقة والاستثمار والتجارة، وبرأيه فإن الخسارة الكبرى لدول الخليج على مدى خمس إلى عشر سنوات لا تكمن في تراجع مؤقت للأسعار، بل في انتهاء بعض المزايا النسبية التي أوجدتها سنوات العقوبات والعزلة الإيرانية، وظهور منافس إقليمي كبير على رؤوس الأموال والأسواق والطاقة.

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا

Share with your friends