
قال الأكاديمي والكاتب في الاقتصاد السياسي، الدكتور بيار الخوري، إن مازوت الشتاء يشكل ملفا يمكن للخزينة تحمل كلفته، لكن الدولة قد لا تكون قادرة على تحمل تداعياته المالية.
وأوضح، عبر منصة «بالعربي»، أن صفيحة البنزين 95 أوكتان بلغت، وفق جدول 22 أيلول، نحو 31.59 دولارا، فيما سجلت صفيحة المازوت 31.47 دولارا، بالتزامن مع ارتفاع سعر خام برنت إلى 101.88 دولارا للبرميل.
وفي قراءة لتداعيات هذه الأسعار، لفت الخوري إلى أن تساوي سعر المازوت مع البنزين هو الرقم الأخطر، لأن المازوت يشكل وقود التدفئة والمولدات والشاحنات والأفران، ما يجعل أثر ارتفاعه يصل إلى كلفة المعيشة بمختلف جوانبها، قبل أن يظهر كامل انعكاسه في أي مؤشر.
وبالانتقال إلى احتمال تكرار تجربة عام 2011، أوضح أن مجلس الوزراء منح يومها وزارة الطاقة سلفة خزينة بقيمة 22.5 مليار ليرة لدعم المازوت الأحمر بمبلغ 3 آلاف ليرة للصفيحة، لمدة شهر، من 19 كانون الأول 2011 إلى 18 كانون الثاني 2012.
لكن هذه التجربة، بحسب الخوري، لم تحقق أهدافها، إذ إن كميات المازوت المدعوم التي وصلت إلى المستهلكين، ولا سيما في البقاع والجنوب والمناطق الجبلية المرتفعة، كانت محدودة، فيما استفادت شركات التوزيع والمحطات من فارق الأسعار. كما لم يتحقق الهدف المتمثل في منع أصحاب المولدات من رفع التعرفة.
وعن أسباب اختلاف الظروف اليوم عن عام 2011، أوضح أن الإجراء واحد، لكن الشروط متعاكسة. ففي عام 2011، كان متوسط سعر خام برنت نحو 111 دولارا للبرميل، أي أعلى من مستواه اليوم، لكن الدولة كانت قادرة على الاستدانة من الأسواق من دون القيود الحالية. أما اليوم، فالدولة متوقفة عن الدفع، فيما تقوم موازنة 2026 على عجز صفري، بنفقات تقارب 6 مليارات دولار.
وفي هذا السياق، أشار الخوري إلى مفارقة أساسية تتمثل في أن الدولة شريك مباشر في تحديد سعر المحروقات، إذ تدخل إلى الخزينة أكثر من 600 ألف ليرة عن كل صفيحة بنزين، عبر الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة.
أما بالنسبة إلى كلفة الدعم اليوم، فتقدر، بحسب الخوري، بأن دعم المازوت بنسبة 20% لأربعة أشهر خلال فصل الشتاء قد يكلف بين 270 و330 مليون دولار، فيما قد تقترب الكلفة من نصف مليار دولار إذا ارتفعت نسبة الدعم إلى 30%.
وفي تفسيره لاحتمال ارتفاع الكلفة إلى الحد الأعلى من هذه التقديرات، لفت إلى أن أي دعم شامل قد يؤدي إلى زيادة الطلب المسجل، نتيجة التخزين والتهريب.
وفي المقابل، أوضح الخوري أن الخزينة قادرة حسابيا على تحمل هذه الكلفة، إذ تعادل نحو 5% من الموازنة السنوية، لكن القيد الحقيقي يكمن في مكان آخر. فالدعم يسدد للمستوردين بالدولار من احتياطات بلغت نحو 11.43 مليار دولار في نيسان، بعد تراجعها 516 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر، فيما تنبه «موازنة المواطن» إلى أن العجز المعلن لا يشمل سلفات الخزينة، وهي الأداة نفسها التي استخدمت عام 2011.
وعند البحث في وجهة المازوت المدعوم، رجح الخوري أن تكون الحدود الوجهة الأولى. فقد رفعت سوريا في 13 أيلول سعر ليتر المازوت العادي إلى 175 ليرة سورية، فيما أبقت سعر المازوت المدعوم للتدفئة والزراعة عند 115 ليرة.
وبحسب الخوري، فإن دعم المازوت في لبنان بنسبة 20% قد يجعل الصفيحة اللبنانية أرخص من نظيرتها السورية في السوق الموازية، ما قد يعكس اتجاه المراجحة ويدفع بالكميات المدعومة نحو الحدود.
ولفت إلى أن هذا الخطر ليس جديدا، إذ تشير مصادر صحفية متعددة إلى أن حجم واردات لبنان من المحروقات بات يتجاوز، بفارق كبير، حاجات السوق المحلية، ما يطرح علامات استفهام إضافية حول جدوى أي دعم شامل وقدرة الدولة على ضبطه.
أما في ما يتعلق بالأدوات المتاحة للدولة اليوم مقارنة بعام 2011، فأوضح الخوري أن الصورة تبدو مختلفة على مستوى الأسر، إذ شمل برنامج «أمان» في كانون الثاني أكثر من سبعين ألف أسرة، بمتوسط مساعدة شهرية يقارب 110 دولارات.
لكن الصورة تختلف على مستوى سلسلة توزيع الوقود، إذ لفت الخوري إلى أنه لا توجد بيانات منشورة تثبت اعتماد آليات لتتبع الصهاريج أو مراقبة المحطات، ما يطرح تحديات إضافية أمام أي دعم مباشر للسلعة.
ومن هنا، رأى أن الدولة تملك اليوم قدرة أكبر على إيصال المساعدة المالية إلى الأسر، لكنها لم تثبت بعد القدرة نفسها على ضمان وصول السلعة المدعومة إلى مستحقيها.
أما عن البديل الأكثر قابلية للتنفيذ، فطرح الخوري خيار التحويل النقدي الشتوي عبر سجل «أمان» الموسع، لنحو مئتي ألف أسرة في المناطق الجبلية والبقاع، بكلفة تقديرية تتراوح بين 40 و60 مليون دولار، أي أقل من سبع كلفة الدعم الشامل، ومن دون أن يؤدي إلى خلق فارق في الأسعار عند الحدود.
ورأى الخوري أن هذا الخيار ينبغي أن يترافق مع تشديد الرقابة على تعرفة المولدات، باعتبارها القناة الأوسع لانتقال كلفة المازوت إلى الأسر.
وفي ما يخص خفض رسم الـ300 ألف ليرة المفروض على صفيحة البنزين، أوضح أن خفض الرسم سيؤدي إلى تراجع سعر الصفيحة بنحو 333 ألف ليرة، لكنه في المقابل سينقل الكلفة إلى رواتب القطاع العام، التي خصص هذا الرسم أساسا لتمويلها.
وفي خلاصة طرحه، قال الخوري إن المشهد يستند إلى ثلاثة استنتاجات أساسية: أولا، تستطيع الدولة ماليا تمويل دعم مؤقت، لكنها ستدفع كلفته من احتياطاتها النقدية ومن صدقية انضباطها المالي.
وانطلاقا من ذلك، رأى أن التحدي الثاني يتمثل في تصميم دعم يحد من فرص التسرب، عبر توجيه المال مباشرة إلى الناس بدل خفض سعر السلعة عند المحطة. أما الاستنتاج الثالث، فيتمثل في أن الحل البنيوي يبدأ من قطاع الكهرباء، بما يقلص حاجة الناس إلى المازوت، لا من دعم المازوت لتعويض غياب الكهرباء.
للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا