كيفية عودة الاموال الى القطاع المصرفي وموعد هذه العودة.
وفقاً لعميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري “إعادة الثقة بالقطاع المصرفي تبدأ من الحقيقة المحاسبية لا من الخطاب. والحاجة الأولى إطار قانوني نافذ لإعادة هيكلة المصارف ومعالجة البنوك المتعثرة وحماية الودائع الصغيرة والمتوسطة بتراتبية واضحة لتوزيع الخسائر، مع تفعيل قانون السرية المصرفية المعدّل لفتح الحسابات أمام الجهات المخوّلة للتحقيق والتدقيق”.

وقال الخوري لموقعنا Leb Economy “خلال 2025 أُحرز تقدم بتمرير تعديلات على السرية وبدفع قانون إعادة الهيكلة قُدمًا، لكن التنفيذ هو بيت القصيد، خصوصًا أن بعض الصيغ تُرحّل بتّ “الفجوة المالية” إلى قانون لاحق. صندوق النقد يكرر أن التعافي يتطلب تنظيف الميزانيات، تخصيص الخسائر، وإعادة رسملة بنوك قابلة للحياة، وإلا ستظل الاقتصاديات تدور في حلقة نقدية بالدولار خارج البنوك”.

واضاف: “زمنيًا، إذا أُقرّت منظومة القوانين وبدأ التنفيذ الفعلي خلال 6–9 أشهر، يمكن رؤية إشارات ثقة أولية في أفق 12–18 شهرًا (عودة حسابات جارية وتشغيل وسائل دفع)، أما الثقة العميقة القابلة لإمتصاص ادخار المواطنين بالدولار فتحتاج عادة دورة أطول 3–5 سنوات تشمل التزامًا رقابيًا متّسقًا، تسويات عادلة للودائع، وخروجًا منظّمًا من الاقتصاد النقدي”.

ورأى الخوري انه “على المستوى النفسي–الاجتماعي، عودة الودائع ليست قرارًا محاسبيًا فقط. المودِع الذي ذاق “هيركت غير مُعلَن” يحتاج ضمانًا محسوسًا: قدرة سحب حقيقية بالدولار “الفريش”، شفافية فورية عبر تقارير فَصْلِية مُدقَّقة علنًا، ومؤشرات تُظهر أن المصرف لم يعد يمارس آليات تسعير غامضة أو قيودًا اعتباطية. كما أن ترشيد السلوكيات النقدية في السوق- المبالغ المقبوضة نقدًا، الفوترة، والتحويلات- يدعم الاحتمال الذهني بأن “المال في المصرف” آمن ويمكن استخدامه بسهولة أكبر من المال في الخزنة. وثمّة بُعد اجتماعي مهم: الثقة تُبنى عندما ترى الشركات الصغيرة قبل الكبيرة أن الخدمات المصرفية عادت تخدمها لا تُعطّلها. هنا دور شركات التحويل، التي ملأت فراغ المصارف، يجب أن يُعاد دمجها في القنوات الرسمية دون أن نخسر مزايا السرعة والكلفة.”

واذ سأل الخوري: ما الذي ينبغي فعله الآن؟، قال “أولًا، قفل “مثلث” التشريعات: قانون إعادة هيكلة المصارف المقرون بلائحة تنفيذية دقيقة وشفّافة، قانون مُحكَم لضوابط رأس المال يمنع التمييز ويُنهي الفوضى، وقانون “الفجوة المالية” يوزّع الخسائر بتراتبية: رأس مال المساهمين أولًا، ثم ودائع الشريحة الشريحة الشكوك بنظافتها المالية الخ…، مع حماية مُعرّفة قانونيًا للودائع الصغيرة والمتوسطة على مراحل زمنية ملزمة. بالتوازي، إنشاء هيئة حلّ وفصل مستقلة بتمثيل رقابي دولي مؤقت، وجدول زمني لإغلاق/دمج المصارف غير القابلة للحياة، وإطلاق تقييم خارجي بنكي–بنك لأكبر 14 مصرفًا كما يطلب صندوق النقد.

ثانيًا، إصلاح الإطار النقدي: تثبيت منهج ضوابط للسياسة النقدية بعد توحيد سعر الصرف رسميًا، مع برنامج امتصاص للسيولة بالليرة والدولار عبر أدوات سوقية بديلاً عن التعاميم كما يحصل منذ عامين، ونظام دفع إلكتروني منخفض الكلفة يُقلّص الحوافز للاقتصاد النقدي. هنا يفيد الإعلان الدوري عن “العملة المتداولة خارج المصرف” وخطّة لخفضها نسبةً إلى الناتج.
ثالثًا، أدوات جذب الودائع لا “استدراجها”: شهادات إيداع بالدولار للمغتربين تُصدرها مصارف مُعاد رسملتها وتُحتفَظ باحتياطاتها في مصارف مراسلة خارجية بموجب حسابات ضمان (escrow) شفافة؛ حوافز ضريبية محدودة الأجل لودائع آجلة فوق 12 شهرًا تُستخدم حصريًا لتمويل ائتمان إنتاجي مُراقَب؛ وتعميم مبدأ “الاستخدام المُنتج” للادخار: كل دولار جديد يُنشّط ائتمانًا حقيقيًا بدلاً من تمويل دولة مفلسة. هذه السياسات لا تنجح دون بيئة امتثال AML/CFT مُحكمة بعد تعديل السرية المصرفية وإتاحة الوصول إلى البيانات للسلطات المخوّلة.

رابعًا، ضمانات المودعين يجب أن تكون حقيقية لا رمزية: صندوق ضمان ودائع مُعاد تأسيسه برأسمال أولي خارجي مقيّد الاستخدام، يمول فقط حماية الشرائح الدنيا والمتوسطة ضمن سقوف واضحة وبآجال محددة، مع تجنّب أي التزام عام غير ممول. أي وعدٍ عام غير مغطّى سيُقوّض الثقة بدل أن يعزّزها. (يشهد بذلك تشديد صندوق النقد على استدامة الدين ومنع تَسْييل الخسائر عبر المصرف المركزي). ”
واكد انه “حتى لو اكتملت حزمة القوانين وبدأ التنفيذ، فإن إعادة تكوين الثقة تحتاج لإيقاع إنجازات متتالية يُرى أثرها: تفعيل هيئات الحل، نشر القوائم المُدقّقة للبنوك، بدء سداد منظم لفئات الودائع الصغيرة بالدولار الفريش، وانخفاض ملموس بحصة النقد من المدفوعات”.

وشدد الخوري على انه “من دون هذه “الإشارات القابلة للتحقق”، ستبقى الدولارات في الأدراج، وسيظل القطاع المصرفي على هامش الاقتصاد بدل أن يعود قلبه النابض. هذه ليست وصفة تقنية فحسب، بل عقدٌ اجتماعي جديد بين المودِع والمصرف والدولة، يبدأ بالاعتراف بالخسائر وكيفية توزيعها وينتهي بإعادة تعريف دور المصرف من حارس للريع إلى خادمٍ للاقتصاد الحقيقي”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

Share with your friends