
قال الدكتور بيار الخوري، الكاتب في الاقتصاد السياسي والمقيم في بيروت، إن معاناة المحافظات السورية البعيدة عن العاصمة لا يمكن تفسيرها بالمسافة الجغرافية وحدها، بل ترتبط أيضاً بنموذج إدارة الدولة وآليات توزيع الموارد والاستثمارات، معتبراً أن الجغرافيا تضاعف آثار الخلل الإداري والاقتصادي ولا تشكّل مصدره الأساسي.
ويشير الخوري في حديث لـ”963+” إلى أن المؤشرات الاقتصادية المتاحة تعكس تفاوتاً في توزّع النشاط الاقتصادي بين المحافظات، لافتاً إلى أن دمشق وريفها استحوذا على أكثر من 80 في المئة من الشركات محدودة المسؤولية المسجّلة حديثاً خلال النصف الأول من عام 2025، مقابل حصة لم تتجاوز 8 في المئة لحلب.
ويضيف أن هذه الأرقام تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الصناعية والتجارية التي تمتعت بها حلب قبل عام 2011، معتبراً أن تراجع حصتها يعزز التساؤلات بشأن العوامل التي تحدد توزّع النشاط الاقتصادي والاستثمارات بين المناطق السورية.
وفي ما يتعلق بالمشاريع الاستثمارية المعلنة، يلفت الخوري إلى أن الحكومة وقّعت في آب/ أغسطس 2025 مذكرات تفاهم بشأن 12 مشروعاً بقيمة إجمالية بلغت 14 مليار دولار، مشيراً إلى أن أبرز المشاريع المعلنة شملت توسيع مطار دمشق بقيمة 4 مليارات دولار، ومشروع مترو العاصمة بقيمة ملياري دولار، وأبراج دمشق بقيمة ملياري دولار، وأبراج البرامكة بقيمة 500 مليون دولار.
ويشير إلى أن قيمة هذه المشاريع الأربعة تتجاوز 8.5 مليارات دولار، أي أكثر من 60 في المئة من إجمالي القيمة المعلنة، موضحاً أن جميعها تقع في العاصمة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن التوازن الجغرافي في توزيع الاستثمارات الكبرى.
وفي المقابل، يشدد الخوري على ضرورة التمييز بين المؤشرات التي تعكس حجم التركّز الاقتصادي وبين الأدلة التي تثبت وجود تمييز في توزيع الموارد، موضحاً أن تسجيل الشركات يعكس قرارات القطاع الخاص، في حين تعبّر مذكرات التفاهم عن نيات استثمارية لا تعني بالضرورة دخول المشاريع حيّز التنفيذ.
ويضيف أن تقييم العدالة في توزيع الموارد يتطلب الاطلاع على موازنات عامة منشورة ومفصلة بحسب المحافظات، وربطها بعدد السكان ومستويات الحرمان وحجم الدمار وكلفة تقديم الخدمات، معتبراً أن غياب هذه البيانات يجعل من الصعب إصدار حكم نهائي بشأن مدى عدالة توزيع الإنفاق العام بين المناطق.
ويرى الخوري أن تركّز النشاط الاقتصادي في العاصمة يرتبط أيضاً بعوامل مؤسسية، إذ يتجه رأس المال، بحسب قوله، نحو المناطق التي تتوافر فيها مراكز اتخاذ القرار والتراخيص والإجراءات الإدارية الأكثر سهولة، مشيراً إلى أن المركزية التي ترسخت خلال حكم النظام المخلوع أسهمت في ربط كثير من أدوات العمل والقرار في المحافظات بالعاصمة.
ويؤكد أن معالجة هذا الإرث تتطلب تغيير القواعد الإدارية والاقتصادية، وليس الاكتفاء بتغيير السلطة، لافتاً إلى أن اللامركزية الإدارية لا تحقق أهدافها بمجرد نقل الصلاحيات إلى الإدارات المحلية، ما لم تترافق مع تمويل كافٍ وكوادر مؤهلة وآليات رقابة ومساءلة واضحة.
ويحذّر الخوري من أن توسيع صلاحيات الإدارات المحلية من دون شفافية ورقابة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المركزية على مستوى محلي، بدلاً من تحقيق تنمية أكثر توازناً، مشدداً على أهمية وضع معايير واضحة لتوزيع التحويلات المالية بين المحافظات، ونشر الموازنات ونسب إنجاز المشاريع بصورة دورية.
كما يدعو إلى اعتماد سياسات استثمارية تراعي المزايا الاقتصادية لكل منطقة، من الإمكانات الزراعية في الجزيرة السورية إلى النشاط الصناعي في حلب والفرص السياحية على الساحل، بما يسهم في تحفيز الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل وتقليص الفجوات التنموية.
ويخلص الخوري إلى أن الجغرافيا تضاعف آثار الأزمات التي تنتجها طريقة الإدارة وتوزيع الموارد، معتبراً أن تحقيق شراكة تنموية حقيقية بين العاصمة والمحافظات يبدأ بإتاحة البيانات المالية، واعتماد معايير معلنة وقابلة للقياس في توزيع الموارد، وربط السياسات الحكومية بمدى قدرتها على تقليص الفجوة التنموية بين المناطق السورية.
للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا