← Back to Blog

الخوري لـ”963+”: وصف الحكومة السورية الزيادة بالأسعار بأنها مؤقتة يحتاج إلى آلية واضحة للمراجعة

الدكتور بيار الخوري، الكاتب في الاقتصاد السياسي، يبدأ من الأرقام نفسها. ويقول لـ”963+” إن الزيادة الأخيرة: “تطرح أسئلة اقتصادية تتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار، وتتعلق بمكونات الكلفة وآلية التسعير ومدى انعكاس الأسعار العالمية على السعر النهائي للمستهلك”.

وتربط الحكومة الزيادة بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، إلى جانب توقف مصفاة بانياس لإجراء عمرة تستمر نحو شهرين.

ويقول الخوري: “إن عمرة مصفاة بانياس عامل واضح ومحدد زمنياً، خصوصاً أن الهدف منها رفع الطاقة التشغيلية من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى حوالي 130 ألف برميل، أي بزيادة تقارب 50 ألف برميل يومياً”.

أما الحديث عن ارتفاع كلفة التأمين والشحن عالمياً، فيحتاج، بحسب الخوري، إلى “نشر تفاصيل أكثر حول عناصر هذه الكلفة حتى يمكن تقييم مدى انعكاسها الفعلي على الأسعار المحلية.”

وتقول وزارة الطاقة إن حاجة سوريا تقارب 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل يوميًا، ما يجعل جزءًا من الاحتياجات معتمدًا على الاستيراد. كما أوضحت أن جزءاً من الخام السوري ثقيل ولا يتناسب بالكامل مع قدرات ومواصفات التكرير المتاحة.

وبالنسبة لـ الخوري، لا تكفي الإشارة إلى ارتفاع أسعار المشتقات والشحن والتأمين لتحديد ما إذا كان السعر النهائي مبرراً.

ويقول: “إن هذه الأرقام وحدها لا تكفي لاختبار مدى تبرير الزيادة”، موضحاً أن البيانات الأساسية التي ينبغي نشرها تشمل سعر الشراء الفعلي لكل شحنة، وكلفة الشحن والتأمين بصورة منفصلة، والرسوم الجمركية والإدارية إن وجدت، والكميات المستوردة شهرياً، وحجم المخزون الاستراتيجي ومدة تغطيته، إضافة إلى سعر الصرف المستخدم فعلياً في عملية التسعير.

ويضيف: “إن غياب هذه البيانات يجعل من الصعب تفسير الفجوة بين الأسعار العالمية والسعر النهائي للمستهلك، مشيراً إلى أن الأسعار الدولية المعلنة للمشتقات يمكن مقارنتها بالمؤشرات العالمية، لكن تحديد الفارق الحقيقي يتطلب معرفة تكاليف النقل الداخلي والتخزين والتوزيع وهوامش الشركات والضرائب والرسوم المحلية”.

وبحسب حساب تقريبي أورده الخوري، فإن الكلفة الدولية المرجعية للمازوت تبلغ نحو 145 ليرة جديدة لليتر، مقابل سعر بيع نهائي يبلغ 175 ليرة، مع فارق يقارب 30 ليرة.

لكن الخوري لا يعتبر الفارق بحد ذاته دليلًا على خلل، إذ يقول: “إن الفارق، البالغ نحو 30 ليرة لليتر، لا يشكل بالضرورة دليلاً على وجود خلل أو تلاعب، إذ يمكن أن يتضمن تكاليف النقل والتخزين والتوزيع والضرائب وهوامش التشغيل، لكنه في الوقت نفسه فارق كبير بما يكفي لنشر مكوناته رسمياً وبشكل شفاف”.

لماذا ارتفع المازوت أكثر من البنزين؟
الزيادة لم تكن متساوية بين أنواع الوقود؛ فالمازوت ارتفع بنحو 40%، مقابل 26 إلى 28% للبنزين.

ويقول الخوري: “إن هناك تفسيرين محتملين لا يمكن الحسم بينهما من دون بيانات إضافية: الأول أن هوامش التكرير الخاصة بالمازوت ارتفعت فعلاً بصورة أكبر من البنزين نتيجة اضطرابات الشحن والإمدادات، والثاني أن المازوت كان يتمتع بهامش دعم أكبر قبل القرار، باعتباره وقوداً شديد الحساسية بالنسبة للنقل والزراعة والتدفئة والأفران، وبالتالي جاءت إعادة التسعير لتقليص هذا الهامش”.

ويختصر المسألة: “كلا التفسيرين يمكن أن ينسجم مع الأرقام المعلنة، لكن ما يفصل بينهما هو البيانات غير المنشورة حول مكونات الكلفة”.

النفط المحلي لا يعني بالضرورة وقوداً محلياً
وتطرح أزمة المحروقات سؤالًا أوسع حول قدرة سوريا على تقليص اعتمادها على الاستيراد.

وبحسب الأرقام الرسمية التي ينقلها الخوري، تبلغ حاجة سوريا اليومية نحو 300 ألف برميل من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام لا يتجاوز نحو 100 ألف برميل يوميًا.

لكن المسألة، بحسبه، لا تتعلق بالكمية فقط. ويقول: “إن الأهم في هذا السياق هو التمييز بين توافر الخام وتوافر الوقود الجاهز، لأن جزءاً من الخام السوري ثقيل ولا يتناسب بالكامل مع مواصفات التكرير المحلية”.

ويضيف: “إن زيادة إنتاج النفط الخام محلياً لا تعني بالضرورة انخفاض فاتورة الاستيراد، لأن المشكلة لا تتعلق بالكمية فقط، وإنما أيضاً بنوعية الخام وقدرة المصافي على تحويله إلى بنزين ومازوت بالمواصفات المطلوبة”.

ومن هنا، يرى أن الحديث عن استعادة الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى معيارين منفصلين: حجم الإنتاج النفطي، ونسبة ما يمكن تكريره محليًا بالمواصفات المطلوبة.

هل الزيادة مؤقتة فعلاً؟
الحكومة وصفت الزيادة بأنها مؤقتة، لكن الخوري يرى أن وصفها بذلك يحتاج إلى آلية واضحة للمراجعة.

ويقول: “إن الحديث عن المراجعة المستقبلية للأسعار صعوداً وهبوطاً يبقى تعهداً عاماً ما لم تقترن به آلية واضحة وصيغة حسابية معلنة تربط السعر المحلي بمؤشر دولي محدد وسعر صرف واضح”.

ويشير إلى أن عودة مصفاة بانياس إلى طاقتها الكاملة ستكون عاملًا إيجابيًا، لكنها لا تضمن وحدها انخفاض الأسعار، في حال بقيت تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة أو استمر ضعف سعر الصرف.

ويحذر من تحول الزيادة المؤقتة إلى سعر دائم: “من خطر تحول الزيادة المؤقتة إلى سعر دائم في حال غياب آلية مراجعة نزولية واضحة”، مشيراً إلى ما يعرف اقتصادياً بـ”تأثير السلم”، حيث تتحرك الأسعار الإدارية إلى الأعلى بسرعة أكبر من حركتها نزولاً.

ويؤكد: “إن وجود آلية مراجعة دورية مرتبطة بمؤشرات معلنة سيكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بتعهد عام بأن الأسعار ستتحرك صعوداً وهبوطاً وفق الكلفة”.

من محطة الوقود إلى البيت والسوق
في الأثر المباشر، يتقدم قطاع النقل في قائمة المتأثرين. ويشير الخوري إلى أن التداعيات بدأت تظهر سريعًا في النقل، مع حديث سائقي سيارات الأجرة في دمشق عن رفع التعرفة، إضافة إلى احتجاجات ووقف جزئي لعمل بعض سائقي النقل العام في مناطق من الحسكة والرقة ودير الزور.

ويقول: “إن أسرع الآثار الاقتصادية ظهوراً ستكون في النقل وكلفة الكهرباء المولدة محلياً، خصوصاً مع اعتماد جزء واسع من التغذية الكهربائية على مولدات تعمل بالمازوت، ما يعني انتقال ارتفاع سعر الوقود إلى فاتورة الاشتراك الخاصة بالكهرباء خلال فترة قصيرة”.

أما الزراعة، فيوضح أن تكاليف تشغيل الآليات ونقل العمال والمحاصيل ترتفع فوراً، بينما يظهر الأثر الكامل على أسعار المنتجات الزراعية بصورة تراكمية مع دورة الإنتاج والموسم.

وتقول الحكومة إن عمرة مصفاة بانياس، التي تستمر نحو شهرين، تهدف إلى رفع طاقتها التشغيلية من نحو 80 ألف برميل يوميًا إلى نحو 130 ألفًا، ما يفترض أن يعزز القدرة المحلية على التكرير بعد انتهاء أعمال الصيانة.

وبين رؤيتي الحمدي والخوري، لا يظهر خلاف مباشر حول ضرورة التعامل مع أزمة المحروقات، وإنما يبرز سؤالان مختلفان حول القرار نفسه.

الحمدي ينظر إلى ما بعد السعر: ماذا يفعل ارتفاع المحروقات بالأجور والنقل والزراعة والإنتاج والقدرة الشرائية؟ ولذلك يطالب بأن تترافق مرونة أسعار الوقود مع مرونة في شبكة الحماية الاقتصادية والاجتماعية.

أما الخوري فيتوقف عند السعر نفسه: ما هي مكوناته؟ وما مقدار كلفة الشحن والتأمين والاستيراد؟ وما سعر الصرف المستخدم؟ وما الآلية التي تسمح بخفض السعر عندما تنخفض كلفة الاستيراد وتتحسن قدرة التكرير؟

وفي الحالتين، يعود السؤال إلى المواطن: إذا ارتفع سعر الوقود اليوم، فمن يتحمل الكلفة غدًا؟

الحمدي يضع الإجابة في حماية القدرة الشرائية ومنع انتقال صدمة الطاقة كاملة إلى المجتمع، بينما يطالب الخوري أولًا بكشف المعادلة التي أنتجت السعر، حتى يمكن الحكم على الزيادة ومؤقتيتها.

المحروقات تعيد رسم خريطة المعيشة
يضع الخوري معياراً آخر للحكم على القرار: “المطلوب ليس فقط إعلان سعر جديد للمحروقات، بل نشر معادلة التسعير ومكونات الكلفة والبيانات التي تبرر السعر. الشفافية هنا ليست تفصيلاً إدارياً، بل شرط أساسي لمعرفة ما إذا كانت الزيادة مؤقتة فعلاً، وما إذا كان من الممكن خفضها عندما تتراجع كلفة الاستيراد وتتحسن طاقة التكرير المحلية”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

Gen Z Strategy Financial Literacy Career Growth Blockchain Training Centers Gen Z Strategy Financial Literacy Career Growth Blockchain Training Centers