الخوري لـ” الاقتصاد اللبناني”: طرح فئات جديدة من العملة الوطنية لا يعني بالضرورة إلغاء فكرة إعادة تقويم الليرة مستقبلاً

قال الباحث الأكاديمي والخبير في الشؤون المالية والاقتصادية وعميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy “حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي من مصرف لبنان يحدد موعدًا نهائيًا أو تفصيليًا لبدء إصدار الأوراق النقدية الجديدة، لكن المؤشرات الصادرة عن النقاشات البرلمانية والتصريحات شبه الرسمية توحي بأن العملية أصبحت في مراحلها الإدارية واللوجستية الأخيرة بعد إقرار التعديل القانوني الذي أجاز للمصرف طباعة فئات نقدية أكبر. القرار الذي صدر في نيسان 2025 سمح بإصدار فئات جديدة قد تشمل 500 ألف ليرة ومليون ليرة، وربما فئة أعلى تصل إلى مليونين، بهدف تيسير التداول النقدي الذي أصبح ضخمًا بعد تراجع قيمة الليرة وارتفاع الأسعار. هذه الفئات ستُطبع بتصميم مختلف يتضمن مواصفات أمنية جديدة للحد من التزوير، لكنها ستبقى مرتبطة بالليرة الحالية دون أي تغيير في قيمتها الاسمية”.

 

ووفقاً للخوري “الفئات الصغيرة مثل 5000 و10000 و20000 ليرة، فقد أصبحت شبه غائبة عن التداول بسبب تآكل قيمتها الشرائية وتدهور حال أوراقها المادية. وتشير المعلومات إلى أن مصرف لبنان لا يخطط لإعادة طباعة كميات جديدة من هذه الفئات لأن تكلفة إنتاجها باتت تفوق قيمتها الفعلية في السوق. لذلك يُتوقّع أن تستمر هذه الأوراق في التداول إلى حين سحبها تدريجيًا مع الوقت، من دون إعلان رسمي بإلغائها. بمعنى آخر، يجري الآن “إحلال صامت” حيث تختفي الفئات الصغيرة تلقائيًا من التعامل اليومي لصالح فئات أكبر، في ظل استمرار الاقتصاد النقدي وغياب عمليات الدفع الإلكتروني المنظمة على نطاق واسع”.

وفي ما يتعلق بحذف الأصفار من العملة، اكد الخوري على ان ” طرح فئات جديدة من العملة الوطنية لا يعني بالضرورة إلغاء فكرة إعادة تقويم الليرة مستقبلاً، لكنه يؤجلها إلى حين استقرار الوضعين المالي والنقدي”.

وشدد على ان “حذف الأصفار هو إجراء رمزي أكثر منه إصلاحي، ولا يمكن تنفيذه بفعالية إلا بعد استعادة الثقة بالعملة وضبط التضخم وسوق الصرف. لذلك، يرى معظم الخبراء أن الحديث عن هذا الإجراء في المرحلة الراهنة غير واقعي، لأن الظروف الاقتصادية لا تسمح بعملية إعادة هيكلة نقدية من دون إصلاحات عميقة تشمل السياسة المالية، وضبط العجز، وتوحيد أسعار الصرف.”

وقال الخوري: “بناءً على ذلك، تبدو المرحلة المقبلة انتقالية بإمتياز: فئات نقدية أكبر لتسهيل التعامل اليومي، تراجع تدريجي للفئات الصغيرة، وبقاء النقاش حول إعادة هيكلة الليرة مؤجلاً حتى إشعار آخر”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ” الاقتصاد اللبناني”: وجود مجلس نقد مستقل يمكن أن يمنح العملة الوطنية غطاءً قانونياً متيناً

رغم أن السياسة النقدية الراهنة لا تُعدّ مجلس نقد رسمياً بالمعنى القانوني، إعتبر عميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري أنها “تمهّد فعلياً لقيام مثل هذا المجلس، إذ تؤسس لربط شبه ثابت بين الليرة والدولار”.

وأشار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy إلى أن “المؤشرات الداعمة لإنشاء مجلس نقد في لبنان تشمل إستقرار سعر الصرف فعلياً منذ أكثر من عامين، وتقدّم التشريعات الخاصة بإصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الشفافية المالية. إلا أن العقبات لا تزال ماثلة، وأبرزها نقص الرسملة المصرفية، وضآلة الإحتياطيات السائلة القابلة للإستخدام، وإستمرار غياب توازن المالية العامة”.

وأضاف “وجود مجلس نقد مستقل يمكن أن يمنح العملة الوطنية غطاءً قانونياً متيناً ويمنع التمويل التضخمي للدولة، إذ يربط إصدار الليرة بتغطية كاملة بالعملات الأجنبية والذهب، ويعزز الثقة بالسوق عبر وضوح القواعد وإنعدام تدخل السياسة في إدارة النقد”.

ولتحقيق هذه الخطوة، أكد الخوري على “ضرورة إعداد قانون تأسيسي واضح يحدد تغطية نقدية لا تقل عن 100% من الكتلة النقدية، وإنشاء هيكل حوكمة مستقل يضم خبراء مشهوداً لهم بالكفاءة. كما يجب إعادة تصميم ميزانية مصرف لبنان بما يفصل بين الأصول القابلة للإستخدام وتلك غير السائلة، وتحويل جزء من الأصول الأجنبية إلى حساب غطاء خاص خاضع للرقابة”.

ولفت إلى أنه “يلزم أن تندمج هذه الخطوة مع منصة تداول شفافة وملزمة لجميع العمليات، ومع صندوق سيولة طارئ مستقل لتجنّب أي تضارب في الوظائف النقدية. كذلك، ينبغي أن ترافق هذه المنظومة خطة إصلاح مالي ومصرفي شاملة تعيد رسملة المصارف وتحقق فائضاً أولياً في الموازنة العامة، بما يضمن متانة الربط وإستدامته”.

وختم الخوري بالإشارة إلى أن “تثبيت سعر الصرف عند 89,500 ليرة يشكّل الخطوة الأولى نحو نظام ربط قانوني أكثر ثباتاً، لكن نجاح التحوّل إلى مجلس نقد فعلي سيبقى مرهوناً بقدرة الدولة على تأمين الغطاء السائل، وضمان إستقلال القرار النقدي، وتحقيق التوازن المالي اللازم لإستدامة الإستقرار النقدي والإقتصادي في لبنان”.
للاطلاع على المقال كاملا : اضغط هنا

الخوري لـ” نداء الوطن” : الاستهلاك التلقائي الذي نشهده لا يعكس ترفًا بقدر ما يكشف عن محاولة فردية لتعويض انعدام السيطرة

على الرغم من الواقع المالي والاقتصادي والمصرفي وارتفاع نسبة الفقر في لبنان، تستمرّ شريحة واسعة من الناس في اللهاث خلف أنماط استهلاك مرتبطة بالـ “برستيج” مثل اقتناء الهواتف الحديثة، قروض السيارات، حفلات الأعراس المكلفة، أو ارتياد مطاعم باهظة.

ففي العاصمة بيروت وضواحيها، ارتفعت نسب الاستدانة الفردية لشراء هواتف “iPhone” أو تنظيم حفلات تخرّج، وأعراس، رغم أن أصحابها قد لا يستطيعون دفع بدلات الإيجار أو الأقساط المدرسية، ما يخلق ضغطًا نفسيًا هائلًا، وشعورًا مستمرًا بالعجز أو الإحباط.

ومن هنا، يأتي تأكيد بعض علماء النفس في السنوات الأخيرة أنّ اللبنانيين أصبحوا اليوم داخل دوّامة “الاحتراق النفسي الاستهلاكي” والأخطر أنّ الفرد نفسه أصبح بلا مناعة، فلا التربية ولا التعليم ولا الإعلام توفر أدوات وعي أو دفاع، وأنه في ظلّ غياب المناعة النفسية والثقافية بدأ اللبناني يتحوّل إلى وعاء مفتوح تُسكب فيه الرغبات المصنّعة.

يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور بيار الخوري أن هذه الظاهرة في لبنان تتجاوز كونها سلوكًا فرديًا إلى كونها نتيجة بنيوية لسياق اقتصادي – اجتماعي مختلّ. فالاستهلاك التلقائي الذي نشهده، خصوصًا في لحظات الانهيار المالي، لا يعكس ترفًا بقدر ما يكشف عن محاولة فردية لتعويض انعدام السيطرة.

ويعطي الخوري مثالًا وهو أن انهيار الليرة اللبنانية لم يؤدِّ فقط إلى تسارع الأسعار المقوّمة بها، بل أضيف إليه أيضًا تسارع التضخم حتى في السلع والخدمات المسعّرة بالدولار أو العملات الأجنبية، نتيجة اضطراب البنية التحتية، وتكاليف التشغيل، وانعدام اليقين في السوق.

ويتابع أنّ هذا الاضطراب المستمرّ حوّل الليرة إلى كيان فاقد للثقة، ما شجّع على استبدالها الفوري بأي “قيمة” محسوسة، حتى وإن كانت سلعة غير ضرورية. ليخلص بأنه ومن هنا، يغدو الإنفاق شكلًا من أشكال المقاومة النفسية، في ظلّ غياب أي ضمانات مستقبلية أو منظومات حماية اجتماعية.

ويلتقي العديد من علماء النفس على أنّ هذا السلوك ناجم عن تأثير ثقافة المقارنة عبر السوشيال ميديا، وضغط الصورة الاجتماعية، ما يدفع الأفراد إلى اختيارات استهلاكية تفوق قدراتهم الحقيقية، وتُنتج لديهم نوعًا من “الاحتراق النفسي الاستهلاكي”.

أمّا على الصعيد الاجتماعي، فيشير الخوري إلى أنّ السلع لم تعد تلبّي حاجات، بل تسدّ فجوات رمزية. معتبرًا أنه في مجتمعات متفكّكة معنويًا ومؤسساتيًا، تتحوّل الدمى والحقائب والأحذية إلى رموز هوية وانتماء، تعوّض انهيار البنى الجامعة؛ حيث تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في ترسيخ هذه الرمزية، عبر تكرار بصري وعاطفي يولّد حاجات وهمية.

ويعلّق الخوري على ظاهرة “Labubu”، حيث تحوّلت من دمية بلا قيمة استخدامية فعلية إلى رمز استهلاكي مشحون بالمعاني، مفعّل بخطاب الندرة والتميّز، ما يعكس آليات الرأسمال الرمزي كما صاغها “بيار بورديو” ، وهكذا اكتسحت دمية صينية الأسواق العالمية وصولًا إلى الأسواق اللبنانية.

ويُعرّف بورديو – وهو عالم اجتماع فرنسي، يعدّ أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر- “الرأسمال الرمزي” بأنّه شكل من أشكال القوّة غير المعلنة، يعتمد على الاعتراف الاجتماعي والشرعية التي يُضفيها المجتمع على الرأسمال الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي عندما يُحوَّل إلى رمزية.

للاطلاع على المقال كاملا:  اضغط هنا