الخوري لـ “العربي الجديد”: الأثر الاقتصادي التقديري لمشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا يستحق القراءة المتأنية

يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، أن عالم ما بعد فبراير/ شباط 2022 لم تعد فيه خرائط التجارة العالمية مجرد مسارات لوجستية تحكمها الجغرافيا فحسب، بل تحولت إلى ساحات للتنافس على النفوذ وإعادة رسم التوازنات الدولية، فعندما أغلقت الحرب الأوكرانية الممر الشمالي وزعزعت موثوقية سلاسل الإمداد العابرة أوروبا الشرقية، وجدت الدول المنتجة والمستهلكة نفسها في حاجة ماسة إلى بدائل هيكلية وليست ترقيعية، وفي هذا السياق تحديداً تكتسب مذكرة التفاهم السعودية – التركية لربط السكك الحديدية معناها الأعمق.

فالمذكرة لا تُقرأ، وفق رؤية الخوري، بمعزل عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) الذي أعلنته قمة العشرين في نيودلهي، ولا بمعزل عن التنافس الصامت مع مبادرة الحزام والطريق الصينية التي أمضت عقداً كاملاً في بناء حضورها اللوجستي عبر آسيا الوسطى، لافتاً إلى أن المسار المقترح لهذا الربط يكتنفه شيء من الضبابية التشغيلية، غير أن بنيته الهندسية المنطقية تستلزم عبور الأراضي الأردنية أو السورية أو العراقية للوصول من شبه الجزيرة العربية إلى الأناضول.

وكل خيار من هذه الخيارات يحمل ثقله السياسي الخاص، حسب الخوري، إذ يرى أن المسار العراقي هو الأكثر واقعية من حيث الجغرافية والأقل استقراراً من حيث الحوكمة، فيما يظل المسار السوري مشروطاً بمسارات الاستقرار والإعمار، وفي كل الأحوال يُنافس هذا الخط قناة السويس التي تتعامل مع ما يزيد عن مليار طن سنوياً، لكنه ينافسها على نوع مختلف من الحمولات، وهو البضائع ذات القيمة المضافة والحساسة للوقت.

وإزاء ذلك، يرى الخوري أن الأثر الاقتصادي التقديري لمشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا يستحق القراءة المتأنية، إذ يتراوح سعر الشحن السككي عالمياً بين 0.02 و0.05 دولار للطن/الكيلومتر، مقابل 0.05 إلى 0.10 دولار للشحن البحري عند احتساب رسوم الموانئ والانتظار والتأخير، والفارق الذي يوفره المشروع ليس مذهلاً في الأرقام المجردة، لكنه يتضاعف عند ترجمته إلى قطاعات بعينها، فالبتروكيماويات السعودية المتجهة إلى أسواق جنوب أوروبا وتركيا ستختصر أسبوعاً إلى أسبوعين من زمن العبور البحري، وستستفيد المواد الغذائية والمبردة أكثر من غيرها لحساسيتها للوقت، بينما قد تجد قطاعات الإلكترونيات والسلع تامة الصنع في هذا الممر بديلاً عملياً لتكاليف الشحن الجوي الباهظة.

هوة كبيرة بين نص المشروع والواقع
غير أن الخوري ينوه بأن التحليل الموضوعي لا يمكنه إغفال الهوة الكبيرة بين النص والواقع في المشروع، إذ تعاني شبكة السكك الحديدية في المنطقة من تفاوت واضح في المقاسات القياسية للسكة وغياب الترابط التشغيلي بين دول العبور، فضلاً عن أن التمويل الفعلي لمثل هذه البنية التحتية يستلزم عقوداً من التفاوض ومليارات من الدولارات لا تجمعها مذكرة تفاهم وإن حسنت النوايا، والأهم من كل ذلك أن المخاطر السياسية تسكن التفاصيل، فالعلاقات التركية – السعودية بالغة التعقيد، والدول الواقعة على المسار لها حسابات سيادية لا تنتظر رضا طرف واحد بشكل حصري.

وتُعد مسألة مقاسات السكك الحديدية من التفاصيل التقنية التي تبدو هامشية للوهلة الأولى، لكنها قادرة على إفساد مشاريع عملاقة من الداخل، حسب الخوري، فالمسافة بين القضيبين ليست موحدة عالمياً وهذا الاختلاف يعني أن عربة قطار مصممة لسكة بعرض معين لا تستطيع السير على سكة بعرض مختلف، والمنطقة التي يمر عبرها المسار المقترح للمشروع السعودي التركي تجمع ثلاثة معايير مختلفة.

ورغم أن السعودية وتركيا والعراق والأردن تعمل أساساً على المقاس القياسي الدولي وهو 1435 ملم، وهي نقطة إيجابية نسبية للمشروع، فإن المشكلة ليست في المقاس فحسب، بل في البنية التحتية المحيطة به، مثل نظم الإشارات، وأنظمة الجهد الكهربائي، وانحناءات المسار وميوله، حيث تعمل تركيا بأنظمة إشارات أوروبية في خطوطها الحديثة، فيما تحتفظ بأنظمة قديمة في خطوط الأناضول الداخلية، وهذا التفاوت في الجودة التشغيلية يعادل عملياً الاختلاف في المقياس من حيث الأثر على التدفق التجاري، وفق تحليل الخوري.

وتكمن المشكلة الأعمق، في سياق مشروع الربط السعودي – التركي، حسب الخوري، في “حوكمة مركبة” تتعلق بمن يدفع لترقية الشبكة العراقية وبأي معايير، ومن يضمن استمرارية التشغيل في حال تبدل الحكومات أو اشتعال الأوضاع، فالتجربة الأوروبية التي نجحت في توحيد السكك استغرقت 70 عاماً من التكامل المؤسسي، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم، وما تقترحه مذكرة التفاهم مع السعودية يمثل قفزاً فوق هذه المرحلة كلها، وهو قفز لا تسهله الإرادة السياسية وحدها، كما يوضح الخبير في الاقتصاد السياسي.

ويخلص الخوري إلى أن الحكم الواقعي في مذكرة التفاهم السعودية التركية يتمثل بالدرجة الأولى في إعلان نية استراتيجية يُستخدم في لعبة أوسع من إعادة رسم الاصطفافات الإقليمية، وموازنة النفوذ الصيني – الأميركي على ممرات الإمداد العالمية، وستُقاس قيمتها الفعلية بما يأتي بعدها من اتفاقيات تشغيلية، وضمانات تمويل، ومشاركة دول العبور، وليس بحبر التوقيع الأولي، حسب تعبيره.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا