الخوري لـ”الديار”: استحالة إقرار مشروع قانون الفجوة المالية تقنياً وسياسياً

يقول الكاتب في الاقتصاد السياسي الدكتور بيار الخوري : “يواجه الاقتصاد اللبناني في ربيع عام 2026 لحظة مفصلية، تتداخل فيها تعقيدات إعادة الهيكلة المالية مع الضغوط الجيوسياسية والعسكرية المتفاقمة. إن مشروع قانون “معالجة الفجوة المالية”، يمثل حجر الزاوية في أي محاولة لاستعادة الانتظام المالي، إلا أن مساره التشريعي لا يزال يصطدم بحائط مسدود. تقبع المسودة حالياً في لجان نيابية مشتركة، وسط تجاذبات حادة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، حيث يرفض البرلمان تحميل المودعين العبء الأكبر، بينما تصر الحكومة على الأرقام التي تفرضها الفجوة المقدرة بأكثر من 70 مليار دولار”.

ويعتبر ان “العوائق السياسية تتمثل في “لوبي المصارف” الذي يرفض شطب رساميله، والقوى السياسية التي تخشى التبعات الشعبية لإقرار “هيركات” قانوني. ويعد إقرار هذا القانون شرطاً مسبقاً (Prior Action) لا غنى عنه في الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي، إلا أن اندلاع العمليات العسكرية الواسعة في مارس 2026 جعل الأولوية لموازنات الطوارئ، مما وضع ملف الإصلاح الهيكلي في حالة “تجميد مؤقت” تقنياً، مع استمرار الضغوط الدولية لعدم إسقاطه من الأجندة”.

 

تحليل تقني لظاهرة “اللولار”

وأثرها على السيولة

ويشير الى ان “اللولار” يمثل في جوهره مطالبة مالية غير مغطاة بالسيولة الجاهزة، وهو أداة نقدية هجينة تعبر عن ودائع بالدولار محبوسة داخل ميزانية مصرف لبنان والمصارف التجارية”. ويلفت الى ان “المعالجة التقنية المقترحة تتجاوز فكرة السحب الشهري البسيط، نحو تحويل جزء من هذه الكتلة إلى سندات دين طويلة الأجل (Consols)، أو شهادات إيداع بآجال تصل لـ15 عاماً. هذا التوجه سيؤدي حكماً إلى “Haircut” مقنع عبر عامل الزمن وتآكل القيمة الشرائية”.

وعن حاملي الشيكات المصرفية، يعتبر ان” قيمتها السوقية ستظل تخضع لخصم كبير (Discounting)، ما لم يتم توحيد سعر الصرف بالكامل. أثر هذه الإجراءات على السيولة سيكون انكماشياً في المدى القصير، حيث سيؤدي تقييد السحوبات لامتصاص الكتلة النقدية بالليرة، مما يضعف الطلب الكلي ويعمق حالة الركود الاقتصادي، ولكنه في المقابل يقلل الضغط على احتياطيات العملات الصعبة”.

 

سيناريوهات رقمية لاسترداد الودائع

ويشير الى انه “في السيناريو الإيجابي الذي يفترض اتفاقاً سريعاً مع صندوق النقد واستقراراً أمنياً، قد يسترد صاحب وديعة الـ 100 ألف دولار كامل مبلغه بين ٤و ٦ سنوات، بينما يسترد صاحب الـ 500 ألف دولار نحو 60% منها، وصاحب المليون دولار نحو 40% ، عبر مزيج من النقد وسندات الصندوق”.

ويضيف “أما في السيناريو الواقعي، فإن وديعة الـ 100 ألف تُحمى بالكامل او لمدة اطول من مشروع القانون، بينما تخضع المبالغ الأكبر لعملية “Bail-in” تحول 50% من الفائض عن السقف المحمي، إلى أسهم في مصارف متعثرة أو سندات بلا فائدة”.

وعن السيناريو السلبي المرتبط باستمرار الحرب والانهيار الشامل، يقول “قد نصل إلى “تصفية قسرية”، يتم فيها دفع الودائع بالليرة اللبنانية على أسعار صرف متدنية جداً، مقارنة بالسوق السوداء، مما يعني خسارة فعلية تتجاوز 80% من القيمة الرأسمالية لكافة الودائع فوق سقف الـ 50 ألف دولار”.

 

شرط إقرار القانون

توافق إقليمي- دولي

وينهي الخوري تقييمه النهائي ومسار الـ 24 شهراً القادمة بالقول : “إن إقرار قانون الفجوة المالية في المدى القريب (أقل من 6 أشهر) يبدو مستبعداً تقنياً وسياسياً، إذ أن الدولة في حالة “إدارة أزمة عسكرية” وليست في حالة “بناء إصلاحي”. الشرط اللازم لإقرار القانون هو توافق إقليمي- دولي ينتج عنه “هدنة مديدة”، تسمح بعودة انتظام المؤسسات الدستورية”.

ويرى ان “السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الـ 12 إلى 24 شهراً المقبلة، هو التعافي بالحد الأدنى (L-shaped recovery)، حيث يتم تمرير قرارات جزئية وتعاميم من مصرف لبنان، بدلاً من قانون شامل، مع استمرار سياسة قضم الودائع تدريجياً” . ويؤكد الخوري ان “المخاطر غير المرئية تكمن في “النمو المفرط للاقتصاد النقدي” (Cash Economy) الذي يهرب من الرقابة، مما قد يجعل أي قانون مستقبلي لإعادة الهيكلة غير ذي جدوى، في ظل نظام مصرفي يفقد تدريجاً وظيفته الأساسية في الوساطة المالية”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ”النهار”: سيكون اللبنانيون أمام ثلاثة سيناريوات “تتدحرج” من السيئ إلى الأسوأ

ارتفاع أسعار المحروقات مثلا يرتبط بالتحولات الدولية، وليس فقط المحلية.

يعدد عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا الخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري أكثر من سيناريو. ويشرح أنه “في ظل السيناريو الأول الذي يفترض استقراراً نسبياً، يُقدر أن يحوم التضخم حول مستوى 15%، وهو معدل يتطلب إدارة ذكية للميزانية تعتمد على الشراء الاستباقي وتجنب الهدر. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصاعد التوترات الجيوسياسية التي قد ترفع التضخم إلى عتبة 40% نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتعطل بعض سلاسل التوريد، مما يؤدي إلى تآكل سريع في القوة الشرائية وتغير جذري في أولويات الإنفاق نحو الغذاء والدواء حصراً. وفي الحالة القصوى والخطيرة، يبرز سيناريو “التضخم الجامح” الذي قد يتجاوز 50% شهرياً في حال تزامن النزاع مع شلل داخلي تام وقيود استيراد حادة، مما ينذر بانهيار شامل في القدرة الشرائية وفقدان السلع الأساسية من الأسواق، وهو ما يضع الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة في مواجهة مباشرة مع انعدام الأمن الغذائي”.

نصائح… من المولّدات
هكذا، سيكون اللبنانيون أمام ثلاثة سيناريوات “تتدحرج” من السيئ إلى الأسوأ.
والأهم أن هذه الموجة الواضحة في غلاء الأسعار، وبالتالي ضعف القدرة الشرائية عند المواطن، باتت تطال أيضا أبرز مقومات الحياة، كالكهرباء مثلا. فقد عمد أخيرا أكثر من صاحب مولّد إلى خفض ساعات التغذية، فيما عمد آخر إلى إرسال “نصوص – نصائح” عبر هواتف المشتركين تتضمن إرشادات للتوفير، فهل بات اللبناني “يعيش من القلّة”؟

يقول الخوري: “لمواجهة هذه التحديات المتفاوتة، تبرز التكنولوجيا أداة ثورية لكسر الحواجز الثقافية التي كانت تحول دون رواج الشراء التعاوني في لبنان، حيث يمكن توظيف مجموعات “واتساب” الكبرى أو تطبيقات “البلوكتشين” لإنشاء منصات شراء جماعية تتسم بالشفافية المطلقة. وهذه المبادرات قد تسمح للأسر بالطلب المباشر من المستوردين والمنتجين المحليين، مما يلغي أرباح الوسطاء ويضمن مخزوناً استراتيجياً من السلع الأساسية بأسعار تنافسية قبل موجات الغلاء المتوقعة. كذلك يوفر استخدام “البلوكتشين” ضمانا تقنيا ضد التلاعب والأسعار الوهمية، مما يشجع الجيران وزملاء العمل على التكتل اقتصادياً في “تعاونيات رقمية ذكية”.

ولكن، هذا “الأسلوب” قد يكون رائجا في عدد من الدول، إنما بعيد المنال عن اللبنانيين، ولا سيما إذا كانوا وسط حرب نازفة.

يرى الخوري أن “الاعتماد على الزراعات المحلية والمنزلية يعتبر استراتيجية دفاعية حاسمة، مما يعزز الاستقلالية الغذائية ويخفض فاتورة الاستهلاك. إنما أولا وأخيرا، تقع على عاتق الدولة مسؤولية ضبط الأسواق وتفعيل الرقابة الصارمة لمنع الاحتكار، مع ضرورة التحول نحو دعم نقدي مباشر للأسر الأكثر تضرراً والتعاون مع سوريا لتأمين ممرات خضراء لاستيراد المدخلات الزراعية الضرورية.

هذه الوسائل قد تخفف نسبيا عن كاهل المواطن، إذ إن التكامل بين الوعي الاستهلاكي والابتكار الرقمي والإنتاج المنزلي قد يكون الوسيلة الوحيدة لحماية الأسر اللبنانية من مخاطر التضخم الجامح وضمان استدامة مواردها في زمن الأزمات، وخصوصا أن إدارة ميزانية الأسرة تتطلب في أوقات الأزمات تحولاً من الاستهلاك اليومي إلى التخزين الإستراتيجي”.

نصائح عملية
يعدد الخوري نصائح عملية لضمان نوع من الرقابة المنزلية الدقيقة على الاستهلاك اليومي وسط الحروب:
• بالنسبة إلى عائلة مكونة من خمسة أفراد، يجب تأمين مخزون من الحبوب والبقوليات (أرز، عدس، حمص، وفول) بمعدل 6 إلى 10 كيلوغرامات شهرياً، إذ تشكل هذه السلع قاعدة الهرم الغذائي والبديل الأرخص للبروتينات الحيوانية إذا قفز التضخم إلى مستويات 40% أو أكثر. كذلك يجب توفير 10 ليترات من زيت الطهي وزيت الزيتون، بالإضافة إلى 5 كيلوغرامات من السكر والدقيق، مع التركيز على شراء هذه الكميات عبر منصات الشراء التعاوني الرقمية لضمان أفضل سعر ممكن قبل حدوث أي قفزات مفاجئة في السوق.
• تبرز الأدوية المزمنة والمواد الطبية الأساسية كأولوية قصوى لا تقبل التأجيل، حيث يجب تأمين مخزون يكفي لثلاثة أشهر على الأقل لتجنب انقطاع السلع أو جنون الأسعار المرتبط بانهيار سلاسل التوريد.
• يصبح الاستثمار في الطاقة البديلة مثل البطاريات الصغيرة أو وحدات الشحن الشمسية المحمولة ضرورة لتشغيل وسائل الاتصال والإضاءة الأساسية، مما يقلل الاعتماد على المولدات الخاصة التي تتأثر أسعارها مباشرة بتقلبات سعر الصرف والوقود.

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا

الخوري لـ” لوريان لو جور”: تحوّل غير مسبوق يفسّر هبوط أسعار الذهب

نُشرت هذه المداخلة ضمن تقرير اقتصادي في صحيفة لوريان لو جور، حيث قدّم بيار الخوري قراءة تحليلية لتراجع أسعار الذهب رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، في سياق يبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع السلوك التقليدي للأسواق.
يشرح بيار الخوري في مداخلته أن فهم حركة أسعار الذهب الحالية يتطلب تجاوز الفرضية الكلاسيكية التي تربط تلقائيًا بين الحروب وارتفاع المعدن الأصفر كملاذ آمن. فبحسب تحليله، نحن أمام مرحلة مختلفة تحكمها أولويات اقتصادية ومالية أكثر تعقيدًا، حيث باتت السيولة النقدية (Cash Liquidity) هي العامل الحاسم، وليس فقط البحث عن الأمان التقليدي. في الظروف الراهنة، ومع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في مضيق هرمز والهجمات المرتبطة به، ارتفعت الحاجة العالمية إلى الدولار لتمويل واردات الطاقة، ما دفع الحكومات والمستثمرين إلى إعادة توجيه محافظهم المالية بعيدًا عن الذهب نحو الأصول السائلة.
ويشير الخوري إلى أن هذا التحول لا يعني انهيارًا في أسعار الذهب، بل هو أقرب إلى عملية “إعادة توزيع للأصول” (Portfolio Reallocation)، حيث يتم تحويل جزء من الاستثمارات نحو قطاعات الطاقة، لا سيما النفط والعقود الآجلة المرتبطة به. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المخاطر الحالية ليست فقط جيوسياسية، بل أيضًا تضخمية مرتبطة بالطاقة، ما يفرض أولويات جديدة في إدارة المخاطر.
كما يلفت إلى عامل مهم آخر يتمثل في قوة الدولار الأمريكي، إذ إن ارتفاعه يقلل من جاذبية الذهب عالميًا، نظرًا لأن تسعير الذهب يتم بالدولار. ومع تراجع توقعات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، عاد الدولار ليكتسب قوة، ما زاد الضغط على أسعار الذهب. كذلك، فإن طبيعة الذهب كأصل غير مُدرّ للعائد (Non-yielding asset) تجعله أقل جاذبية مقارنة بالأدوات المالية التي توفر سيولة أو عوائد مباشرة في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.
وفي بعد أكثر عمقًا، يوضح الخوري أن سلوك المصارف المركزية يشهد تحولًا ملحوظًا؛ فبعد أن كانت تشتري الذهب بكثافة في عام 2025 لتنويع الاحتياطيات، أصبحت اليوم تميل إلى تعزيز احتياطياتها النقدية، استجابةً لاحتياجات السوق الفعلية المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية. هذا التحول يعكس تغيرًا في مفهوم “الأمان المالي”، حيث لم يعد الذهب وحده كافيًا، بل باتت السيولة الفورية عنصرًا أساسيًا في مواجهة الأزمات.
ورغم هذا التراجع، يؤكد الخوري أن الاتجاه العام لـ أسعار الذهب على المدى المتوسط والطويل لا يزال مدعومًا بعوامل أساسية مثل التضخم وعدم الاستقرار العالمي، ما يعني أن ما نشهده اليوم هو مرحلة تصحيح أو إعادة تموضع، وليس تغييرًا جذريًا في مكانة الذهب ضمن النظام المالي العالمي.