الخوري لـ”الاقتصاد اللبناني”: الفلسفة المعلنة في موازنة 2026 مختلفة عن 2019

أوضح عميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري أن ” في موازنة 2019، أي آخر موازنة وُضعت قبل الانهيار المالي الكبير. في ذلك الوقت، أُقرّت الموازنة على أساس عجز مقدّر بنحو 7.6% من الناتج المحلي، وقد جرى تضمينها إجراءات لزيادة الإيرادات مثل رفع ضريبة الفوائد من 7% إلى 10% لثلاث سنوات. لكن صندوق النقد الدولي حذّر حينها من تفاؤل غير مبرّر، وتوقع أن يتجاوز العجز الفعلي الأرقام الرسمية، كما أن نسبة الدين إلى الناتج كانت قد وصلت إلى نحو 155% بحلول نهاية العام نفسه”.

وقال الخوري “الأرقام المنشورة في موازنة 2019 تشير إلى إيرادات بلغت 18,783 مليار ليرة، وإنفاق 23,106 مليارات، وعجز يقارب 4,323 مليارات ليرة. بالمقارنة مع أرقام 2026، يظهر التحول من موازنة تعترف بعجز كبير إلى موازنة تسعى لإظهار توازن كامل. لكن هذا التغيير لا يعكس إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً بقدر ما هو نتاج إعادة تسعير شاملة للعملة وانكماش حجم الدولة الحقيقي وتحوّل الإنفاق نحو الرواتب والأجور على حساب الاستثمار العام”.

واكد الخوري على ان “الفلسفة المعلنة في 2026 مختلفة عن 2019، لكنها لا تستند بعد إلى قاعدة ضريبية أوسع أو إلى خطة إنتاجية مستدامة، بل تعتمد على التوازن المحاسبي أكثر من اعتمادها على توازن اقتصادي فعلي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توصيات استراتيجية واضحة”.

وفي اطار حديثه عن التوصيات المطلوبة، رأى الخوري ان “المطلوب أولاً تحويل فكرة العجز الصفري من شعار محاسبي إلى قاعدة مالية مرتبطة بنمو الإيرادات الدورية غير الريعية”، لافتاً الى انه “يمكن وضع قاعدة بسيطة تحدّد سقف نمو الإنفاق الجاري بحيث لا يتجاوز نمو الإيرادات، على أن يُخصّص حد أدنى ثابت للإنفاق الاستثماري لا يقل عن 20% من النفقات الأولية”.

وفي السياق نفسه، شدد الخوري على انه “لا يمكن الاستمرار في سياسة تجنّب الإصلاحات الضريبية الجوهرية، بل يجب توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل عبر استثمار الأملاك العامة البحرية، وتطبيق ضريبة تصاعدية على الثروات والأرباح الرأسمالية، وإلغاء الاستثناءات غير المبررة. هذا المسار يضمن إيرادات مستقرة ويعزز العدالة الضريبية”. كما اعتبر ان “إدارة النفقات يجب أن تعطي الأولوية للرعاية الصحية والتعليمية ولشبكات الأمان الاجتماعي، مع إعادة هيكلة كتلة الأجور تدريجياً من خلال ربط أي زيادات بإصلاحات حقيقية في الإدارة العامة تشمل الرقمنة وإنهاء الازدواجيات الوظيفية”، مؤكداً على ان هذه الخطوة ضرورية خصوصاً وأن الرواتب تشكّل نصف الموازنة تقريباً.

ووفقاً للخوري “لا بد من إصلاحات قطاعية تولّد الإيرادات وتخفّض الهدر، وأبرزها في قطاع الكهرباء الذي يشكل مصدر نزيف دائم للخزينة. فأي تقدم في تحصيل الجباية وإصلاح التعرفة أو إدخال عقود شراء طاقة تنافسية سينعكس فوراً على تخفيض العجز”.

ولفت الى ان “الموازنة تحتاج إلى آليات متابعة وتقييم شفافة، مثل اعتماد إطار إنفاق متوسط الأجل يتم تحديثه سنوياً، وإدارة استثمار عام توحّد مراحل اختيار المشاريع وتقييمها وتنفيذها. كما يمكن إنشاء لوحة مؤشرات علنية تتيح للجمهور الاطلاع شهرياً على أرقام التحصيل الضريبي والإنفاق الاجتماعي والاستثماري الفعلي”.

واكد الخوري ان كل هذه الإصلاحات يجب أن تتناغم مع متطلبات الشركاء الدوليين، إذ إن إظهار قواعد مالية موثوقة وتقدم في إصلاح القطاعات المكلفة سيزيد فرص الحصول على تمويل ميسر ويدعم الثقة الداخلية والخارجية.

وختم الخوري بالقول “مشروع موازنة 2026 يشكّل خطوة إلى الأمام من حيث الشكل والانضباط الزمني، لكنه يظل محكوماً بضعف الإصلاحات البنيوية وبتأثير كتلة الأجور على النفقات. الفارق مع موازنة 2019 أن الأولى اعترفت بعجز كبير والثانية تسعى لإظهار التوازن الكامل، لكن من دون معالجة عميقة لبنية الإيرادات أو إعادة هيكلة جذرية للإنفاق. المطلوب اليوم هو توسيع قاعدة الإيرادات بشكل عادل، خفض الهدر، وضع قواعد مالية متوسطة الأجل، واعتماد الشفافية الكاملة. عندها فقط يمكن أن يتحول التوازن من ورقة حسابية إلى واقع اقتصادي يفتح الباب أمام استدامة مالية وسياسات أكثر رشادة”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ”هنا لبنان” : عودة ما يقارب نصف مليون نازح لا تعني خروج نصف مليون عامل من سوق العمل

قال الخبير الاقتصادي البروفسور بيار الخوري إنّ عودة ما يقارب نصف مليون نازح لا تعني تلقائيًا خروج نصف مليون عامل من سوق العمل، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من العائدين ليس ضمن الفئة العمرية العاملة، أو لم يكن منخرطًا أصلاً في النشاط الاقتصادي.”

ويضيف: “التقديرات الواقعية تشير إلى أن ما بين 125 و165 ألفًا فقط من العائدين كانوا يشكّلون فعليًا جزءًا من سوق العمل. هذه الفجوة ليست كارثية، بل موزّعة على قطاعات محدّدة مثل الزراعة والبناء، وهي قطاعات يمكن تنظيمها بسرعة إذا وُجدت الإرادة السياسية والإدارية لذلك.”

ويتابع الخوري أن “الزراعة، وهي من القطاعات الأكثر اعتمادًا على اليد العاملة السورية، قد تشهد نقصًا يتراوح بين 20 و28 ألف عامل، ما يستدعي تحرّكًا سريعًا لتعويض هذه الفجوة. أما في قطاع البناء، فقدّر النقص بـ10 إلى 14 ألف عامل، معظمهم من الفنيين والحرفيين، ما قد يؤدي إلى تباطؤ في تنفيذ المشاريع وارتفاع طفيف في الكلفة، لكنه لن يوقف حركة البناء”.

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا

الخوري لـ”لبنان24″ : ارتفاع أسعار سندات اليوروبوند ليس تعبيراً عن عودة الثقة بقدرة الدولة على السداد

أوضح البروفسور والخبير الإقتصادي بيار الخوري أنه “حين نتأمل في مسار سندات اليوروبوند اللبنانية وصولاً إلى أيلول 2025، فلا يمكن عزل صعود أسعارها من حدود 3% إلى ما يقارب 20% عن المشهد السياسي والاقتصادي المركّب الذي عاشه لبنان”.

الخوري اعتبر في حديث لـ”لبنان 24″ أن هذا الارتفاع ليس تعبيراً عن عودة الثقة بقدرة الدولة على السداد بقدر ما كان انعكاساً لموجة مضاربات مبنية على توقعات وتسريبات حول مفاوضات محتملة مع صندوق النقد الدولي، وإشارات عن مبادرات أوروبية وخليجية لدعم لبنان مالياً في مقابل إصلاحات محددة.

وأشار إلى أن هنا، لعب العامل النفسي في السوق دوراً مضاعفاً: فالمستثمرون الذين اشتروا السندات بأسعار متدنية جداً وجدوا أن أي خبر عن تسوية أو إعادة هيكلة أقل قسوة من المتوقع كفيل بأن يرفع السعر سريعاً، حتى من دون تحسّن جوهري في الأساسيات المالية للدولة.

هذه القفزة حملت في طياتها أيضاً مزيجاً من الواقع والرهان، خاصة وأن لبنان ما زال غارقاً في أزمته. غياب إصلاحات فعلية في الكهرباء والقطاع العام، واستمرار العجز المزمن في المالية العامة، وسواها من المشاكل المزمنة، بينما الرهان يكمن بكون الضغوط الدولية والإقليمية قد تجبر السلطة على القبول ببرنامج إصلاحي ولو تدريجياً، الأمر الذي سيخفّف من حدّة الـ haircut في أي تسوية ديون مقبلة. ومن هنا نفهم كيف باتت السندات ساحة مراهنة بين من يعتبر أن لبنان يتّجه إلى إعادة هيكلة أقل ضرراً، وبين من يراها فرصة قصيرة الأجل للخروج بربح سريع.

وقال الخوري: “في المدى القصير، تبدو الأسعار شديدة الحساسية لأي خبر سياسي، سواء كان إعلاناً عن اتفاق مبدئي مع صندوق النقد أو تسوية رئاسية داخلية تفتح الباب أمام إصلاحات. قد نشهد موجات إضافية من الارتفاع السريع، لكن في ظل غياب تنفيذ فعلي للإصلاحات، يظل هذا الصعود هشاً وعرضة للانعكاس عند أول خيبة أمل”.

وأضاف: “أما على المدى المتوسط، فإن مسار الأسعار سيتحدد وفقاً لجدية لبنان في إعادة هيكلة دينه بطريقة منظمة، وبمدى انخراط شركائه الدوليين في تقديم دعم مادي ملموس. إذا جرى التوصل إلى اتفاق إصلاحي شامل، يمكن أن تستقر السندات عند مستويات أعلى وأكثر استدامة، أما إذا استمر التعثر، فقد تعود إلى مستويات منخفضة، مع كل ما يحمله ذلك من انعكاس على ثقة المستثمرين”.

فمن الناحية الاقتصادية الأوسع، لا تعكس هذه الحركة سوى ضعف الوضع المالي العام. فارتفاع أسعار السندات في الأسواق الثانوية لا يعني أن الدولة استعادت قدرتها على التمويل أو الاقتراض، بل يظل مؤشراً إلى أن لبنان ما زال رهينة التسويات السياسية الخارجية. لهذا السبب، تبقى الأسواق المحلية والدولية مترددة في التعامل مع لبنان كشريك استثماري موثوق. وفي هذا السياق، يتزايد خطر المخاطر النظامية: المصارف اللبنانية التي تحمل جزءاً من هذه السندات قد تجد نفسها مضطرة لتقييم محافظها مجدداً، ما ينعكس على ميزانياتها، فيما أي خيبة أمل قد تعمّق أزمة الثقة في القطاع المالي بأسره.

المخاطر المرتبطة بهذه السندات واضحة: ركاكة الوضع السياسي، ضعف الإصلاحات، والاعتماد على تسويات خارجية غير مضمونة. لكن وسط هذه الصورة القاتمة، هناك فرص لا يمكن إنكارها. فالمستثمر الذي يملك قدرة على تحمّل المخاطر قد يجد في هذه السندات عوائد عالية في حال أُبرمت تسوية مقبولة.

كما أن دخول أطراف دولية داعمة للبنان يمكن أن يفتح نافذة زمنية للاستفادة من فروقات الأسعار. التحدي يبقى في كيفية إدارة هذه المخاطر: أي مستثمر جاد يحتاج إلى تنويع محفظته، اعتماد استراتيجيات تحوّط، وتخصيص حصة محدودة من أصوله لمثل هذه الأدوات عالية المخاطر، من دون الانجرار وراء موجة المضاربات العاطفية.

في النهاية، ما نشهده ليس مجرد قصة أسعار ترتفع أو تنخفض، بل انعكاس حيّ لتوازن القوى في لبنان، وللمعادلة المعقدة بين السياسة والاقتصاد. السندات هنا تحوّلت إلى مرآة حساسة، تعكس هشاشة النظام كما تعكس آمالاً مؤقتة بإمكانية الخروج من النفق.

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا