الخوري لـ”الديار”: لبنان يحب أن يتعامل مع الذهب كشبكة أمان إستراتيجية

يواصل الذهب في 2025 تسجيل قمم غير مسبوقة، إذ تجاوزت أسعاره 3650 دولارًا للأونصة مدعومة بضعف الدولار، وتراجع العوائد الحقيقية، وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية التي عززت الطلب عليه كملاذ آمن.

البنوك المركزية تواصل شراء الذهب بكثافة، حتى إن حصة المعدن الأصفر من الاحتياطيات العالمية تخطت لأول مرة سندات الخزانة الأميركية، ما يعكس تراجع الثقة بالأدوات المالية التقليدية وتوجهًا لتثبيت ميزانيات البنوك المركزية عبر تنويع الأصول.

هذه العوامل وفقاً للباحث الأكاديمي والخبير في الشؤون المالية والاقتصادية وعميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري، تجعل التوقعات السعرية للذهب في المدى القصير والمتوسط تميل إلى البقاء ضمن مستويات مرتفعة، “مع سيناريو أساسي بين 3400 و3900 دولار، واحتمال اختراق حاجز 4200 دولار إذا تراجعت الفوائد بسرعة أو استمرت مشتريات البنوك الرسمية بوتيرة قوية، أما السيناريو المتحفظ فيبقى رهين تحوّل السياسة النقدية العالمية نحو التشدد أو حدوث انفراج جيوسياسي واسع قد يدفع الأسعار إلى الانخفاض إلى حدود 2800 دولار”.

في لبنان يقول الخوري في حديثه لـ “الديار”: يحتفظ مصرف لبنان باحتياطي يبلغ نحو 286.8 طن، أي ما يعادل أكثر من تسعة ملايين أونصة، تقدر قيمتها الحالية بما يزيد على 33 مليار دولار، لافتاً أن هذا الرصيد يضع لبنان بين أبرز مالكي الذهب في المنطقة، مع العلم أن جزءًا منه محفوظ في بيروت، وجزءًا آخر مودع في الخارج، ولا سيما في خزائن الاحتياطي الفدرالي في نيويورك.

وأشار الخوري إلى أن التدقيق الذي أُنجز مؤخرًا بطلب من صندوق النقد أكد مطابقة الكميات المدونة مع المخزون الفعلي، “ما يعزز الثقة بالشفافية، لكن الأصوات المطالبة بالكشف عن تفاصيل أوفى حول أماكن التخزين وظروف الحفظ لم تتوقف، خصوصًا أن القانون اللبناني الصادر عام 1986 يمنع أي بيع أو رهن أو تسييل لهذا الذهب إلا بقرار من مجلس النواب”.

استفادة لبنان

وحول كيفية استفادة لبنان من ارتفاع أسعار الذهب يوضح الخوري أن ارتفاع أسعار الذهب يعزز القيمة الدفترية لمصرف لبنان، فينعكس على ملاءته المالية ويمنحه ورقة قوة معنوية يمكن استثمارها في المفاوضات المالية الدولية وفي تعزيز الثقة بالنظام النقدي، كذلك يمكن أن يشكل الذهب عنصرًا داعمًا لليرة عبر إظهار أن لدى الدولة أصولًا صلبة تغطي جزءًا من التزاماتها، وإن كان ذلك لا يعني عمليًا تحويل الاحتياطي إلى سيولة مباشرة، مضيفاً بأن وجود هذه الكميات الكبيرة يتيح للبنان أن يطور آليات محلية تستلهم تجارب دول أخرى، مثل فتح حسابات إدخار مرتبطة بالذهب وتشجيع المواطنين على إدخال ما يحتفظون به من سبائك أو حلي إلى النظام المصرفي، ما يساهم في تقليص الدولرة وتعزيز الاستقرار المالي.

مع ذلك يرى الخوري أن التحديات تظل كبيرة، فالقيود القانونية تحول دون أي استخدام مباشر لهذا المورد من دون قرار سياسي وتشريعي جامع، والمخاطر المرتبطة بأي تحريك للذهب تشمل احتمال التعرض لهوامش مخاطرة عالية في الأسواق العالمية وتهديد سمعة البلد إذا تمت العملية بطريقة غير شفافة، كذلك فإن القيمة السوقية الكبيرة لا تعني بالضرورة قدرة فورية على تمويل الحاجات، لأن أي استغلال يتطلب بنى مؤسسية متماسكة وضمانات دولية.

من هنا وفقاً للخوري فإن الخيار الأنسب للبنان في المرحلة الحالية هو التعامل مع الذهب كشبكة أمان استراتيجية لا تمس إلا في الظروف القصوى، مع رفع مستوى الشفافية في بيانات الاحتياطي وتعزيز حوكمته، بالتوازي مع استخدامه كورقة قوة معنوية تدعم الثقة بالنظام المالي وتساعد في جذب الاستثمارات، وإذا ما استمرت الأسعار في الارتفاع، فإن هذه الموجودات ستمنح لبنان وزنًا تفاوضيًا إضافيًا في علاقته مع المؤسسات الدولية، شرط أن يُدار الملف بحذر شديد وتوافق وطني يحمي الذهب من أي توظيف عشوائي أو قصير النظر.

وحول الإمكانات الحقيقية لتوظيف أجزاء من المخزون الذهبي التي لا يحبذ هذا النوع من الاستخدامات قبل انجاز ورشة الحوكمة والمعايير في القطاع العام تحدث الخوري عن أدوات تمويل مشروطة بالذهب (إذا أجيزت بقانون):

مقايضات/رهونات ذهب مع الـBIS أو بنوك سبائك بهوامش أمان مرتفعة ولمدد قصيرة؛ مثال توضيحي: تسييل 10% من القيمة الاسمية للذهب عبر مقايضة مضمونة قد يؤمّن ≈2.7 مليار دولار سيولة مؤقتة، مع حق الاسترجاع الكامل للذهب عند الاستحقاق. يجب أن تكون مقيّدة (دواء، قمح، كهرباء). أسواق لندن تُظهر ارتفاعًا في كلف اقتراض الذهب شَهِدَته الأشهر الأخيرة، ما يعني أن التسعير ممكن لكنه ليس مجّانيًا.

تأجير جزء محدود جدًا من السبائك (إن أُجيز) لتوليد دخل سنوي صغير نسبيًا: مثلًا، تأجير 10% بسعر فائدة/Lease 1% قد يدر ≈33 مليون دولار/سنة؛ عائد مفيد لكنه ليس حلًا للميزان الخارجي وحده. (أسعار التأجير متقلّبة وقد ترتفع مؤقتًا في شحّ السيولة، لكنها غالبًا أقل كثيرًا من أسعار المال).

تعميق قنوات الادخار بالذهب للقطاع الخاص: استلهام تجارب تركيا في حسابات الودائع الذهبية ودمج الذهب في متطلبات الاحتياطي (ROM) لالتقاط الذهب “المكتنز” لدى الأسر وتحويله أصولًا مصرفية رسمية، مع معايير امتثال ولوجستيات صائغين/مصافي معتمدة (LBMA). هذه برامج طويلة الأجل تُعالج “دولرة المدخرات” وتُخفف الضغط على النقد الأجنبي.

أدوات رقمية متوافقة دوليًا: الاستفادة من مبادرات مجلس الذهب العالمي لتحويل أجزاء من التداول إلى صيغ رقمية مُراقَبة (PGIs) وتتبّع المصدر (Gold Bar Integrity)، بما يتيح استخدام الذهب كضمان في منصات الأسواق العالمية مع شفافية أعلى، شرط بقاء السبائك مخصّصة وغير مُمَخْصَصة.

ورداً على سؤال حول اعتبار الذهب الملاذ الآمن قال الخوري: تعريف الملاذ الآمن يرتبط بالمعادن وبشكل خاص الذهب لأن ارتفاع سعره لا يُعتبر ارتفاعا للذهب بحد ذاته بل هو انخفاض للعملات الورقية، لافتاً إلى أن كل ارتفاع لأسعار الذهب يعكس انخفاضاً للعملات الورقية أي أن الذهب لا يتعرض لأثر التضخم خاصةً التضخم الناتج من الأزمات الجيوسياسية و عن طباعة العملة، “ولذلك يصبح الذهب ملاذاُ آمناً وعندما تزداد المشاكل الاقتصادية والنقدية يرتفع سعر الذهب ليعكس انخفاض العملة بهذا المعنى هو ملاذ آمن سيما في حالة الأزمات و الاضطرابات وعدم الاستقرار”.

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا

الخوري لـ “وردنا” : فكرة استبدال ودائع المودعين بسندات تشكّل محاولة لإدارة أزمة ثقة كبرى في النظام المصرفي اللبناني

أعاد تصريح وزير المال ياسين جابر حول نية الحكومة اللبنانية اللجوء إلى استبدال ودائع المودعين العالقة في المصارف بسندات دين، الجدل إلى الواجهة حول مستقبل أموال اللبنانيين المحتجزة، والآليات المقترحة لمعالجة الأزمة المالية المستمرة منذ العام 2019. ورغم أن الفكرة تُطرح في ظاهرها كخيار تقني، إلا أنها تثير مخاوف عميقة تتجاوز الإطار الاقتصادي إلى أزمة ثقة متجذرة في النظام المصرفي والسياسي على حد سواء.

في هذا السياق، يرى البروفيسور بيار الخوري أن هذا الطرح، وإن جاء بلبوس مالي، إلا أنه يحمل أبعادًا سياسية وقانونية بالغة الحساسية، معتبرا أن فكرة استبدال ودائع المودعين بسندات لا تندرج فقط ضمن إطار الأداة المالية التقنية، بل تتجاوز ذلك لتشكّل محاولة لإدارة أزمة ثقة كبرى في النظام المصرفي اللبناني.

فعلى المستوى العملي، يشير إلى أن هذا الإجراء لا يعيد الأموال إلى أصحابها، بل يغيّر فقط من طبيعتها؛ إذ يتم تحويل الوديعة النقدية، التي يُفترض أن تكون سائلة ومتاحة، إلى ورقة دين مؤجّل، ما يجعل من هذه الخطوة أقرب إلى “معالجة ترقيعية” منها إلى حل جذري للمشكلة.

ويضيف: “المودع الذي كان ينتظر استعادة أمواله يجد نفسه أمام ورقة مالية مرتبطة بآجال طويلة وغير مضمونة بالكامل في قيمتها السوقية”، وهو ما لا يبدد المخاوف الجوهرية ولا يساهم فعليًا في استعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

من الناحية القانونية، يشدّد الخوري على أن حقوق المودعين تُعتبر ديونًا واجبة السداد على المصارف. وبالتالي، فإن أي محاولة لتحويل هذه الديون إلى سندات تحتاج إلى أساس قانوني واضح وصارم، يضمن عدم انتهاك مبدأ حماية الملكية الفردية والالتزامات التعاقدية.

ويتابع: “في لبنان، يضع قانون النقد والتسليف، إضافة إلى قوانين الإفلاس والتعثّر المصرفي، أطرًا عامة لهذه التحويلات، لكن الأمر يتطلب قرارًا تشريعيًا أو قضائيًا يحدّد صلاحية هذا الاستبدال ويحمي المودعين من أي انتقاص غير مشروع لحقوقهم”. وبدون هذا الغطاء القانوني، يُحتمل أن تتعرض العملية لطعون قضائية واسعة قد تعرقل تنفيذها وتزيد من تعقيد الأزمة.

من المسائل الجوهرية التي يطرحها الخوري هي مسألة “من الجهة التي ستُصدر هذه السندات؟”. فإذا كانت المصارف نفسها، فإن الثقة ستكون معدومة نظرًا لوضعها المالي المهتز، أما إذا تولت الدولة الإصدار، “فنكون أمام دين عام جديد يزيد من أعباء المالية العامة ويربط مصير المودعين بمخاطر سيادية”.

هنا تبرز الحاجة لضمانة واضحة. يسأل الخوري: “هل هناك صندوق ضمان ودائع مدعوم بتدفقات نقدية قائمة على علاقات السوق؟ هل ستُربط السندات بأصول فعلية أو إيرادات مستقبلية؟”. غياب هذه الأجوبة، برأيه، يحوّل السندات إلى مجرد التزام ورقي بلا وزن فعلي.

ويشير الخوري إلى أن ما يجري فعليًا هو نقل عبء الأزمة من المصارف إلى الدولة، من دون معالجة فعلية للخسائر أو تحديد واضح للجهات المسؤولة عنها، وهو ما يعيد فتح ملفات المساءلة وإعادة الهيكلة على أسس عادلة.

أسئلة مركزية تحتاج إلى أجوبة

لعلّ أبرز ما يطرحه الخوري في هذا السياق هو مجموعة من الأسئلة المحورية، التي لا بد من الإجابة عنها قبل طرح أي مسار بديل للودائع:

-ما هو حجم الأموال الممكن ردّها للمودعين وفقًا لقاعدة الأولوية (بحسب حجم الوديعة) أو قاعدة التناسب (pro-rata)؟

-كيف سيتم توزيع كلفة الاسترداد بين الأطراف الثلاثة: المصارف، مصرف لبنان، والدولة؟

-هل ستخضع هذه السندات لفوائد متحركة تحمي قيمتها من التآكل بفعل التضخم، خاصة أنها طويلة الأجل؟

-من يضمن السداد في حال تعثّر آلية الدفع؟ وما هي الأصول الضامنة لذلك؟ هل تشمل أملاكًا عامة؟ أصولًا مصرفية؟ حقوق مجالس الإدارة؟

-ما هي آلية مطالبة المودع بحقه في حال التخلف عن سداد استحقاقات السندات؟

-هل يمكن خصم هذه السندات في الأسواق الدولية؟ وهل سترتبط بتحسّن التصنيف الائتماني للبنان، على الأقل إلى مستوى C؟

الخلاصة: لا “إذعان” للمودعين

يختم الخوري بالتأكيد على أن الدفع بالسندات المؤجلة هو أداة تمويلية مستخدمة عالميًا، إلا أن قبولها لا يجب أن يتم ضمن منطق الإذعان المفروض على المودعين. ولتجاوز هذا المنطق، “يجب أن تكون السندات قابلة للتداول في الأسواق الدولية بصفتها سندات ذات درجة استثمارية، لا سندات “خردة” كاليووروبوندز اللبنانية”، وفق تعبيره.

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا

الخوري لـ”وردنا”: التعميم رقم 170 يمنع دخول أي أموال ذات صلة بجهات خاضعة لعقوبات دولية إلى القطاع المصرفي

رأى البروفيسور بيار الخوري، الخبير في السياسات المالية والنقدية، أن التعميم رقم 170 الصادر عن مصرف لبنان يمكن اعتباره “حلقة جديدة في سلسلة إجراءات وقائية اتخذها المصرف المركزي منذ أكثر من عقد، بهدف حماية النظام المالي اللبناني من تداعيات العقوبات الدولية”.

وفي حديث خاص لـ”وردنا”، أوضح الخوري أن “الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها هذا التعميم، كما غيره من التعاميم السابقة، هي منع دخول أي أموال ذات صلة بجهات خاضعة لعقوبات دولية إلى النظام المصرفي اللبناني، لما لذلك من أثر مباشر على علاقات المصارف المحلية مع البنوك المراسلة في الخارج، خصوصاً في الولايات المتحدة، ما قد يهدد القدرة على إجراء التحويلات بالدولار”.

وأكد أن “التعميم الأخير ليس مفصولاً عن السياق العام لسياسة مصرف لبنان في بناء نوع من التحصين الدفاعي حول القطاع المصرفي الشرعي، حتى في ظل الأزمة العميقة التي يعيشها هذا القطاع”.

لكن، وبحسب الخوري، ما يميّز هذا التعميم بالذات هو الرسالة غير المباشرة التي يتضمنها. ويقول: “مصرف لبنان يُرسل عبر هذا التعميم إشارات واضحة بأنه غير معني بـجمعية القرض الحسن، ولا يملك أي صلاحية للإشراف عليها أو مراقبتها، كونها غير مرخّصة لديه. وبالتالي، تحميله مسؤولية هذا الملف أمر لا يستقيم قانونًا، لأن قانون النقد والتسليف لا يمنحه هذه الصلاحية”.

ويضيف: “من هذه الزاوية، يمكن اعتبار التعميم ليس فقط خطوة وقائية، بل إعلاناً صريحاً بأن التعامل مع هذا النوع من الجمعيات يقع على عاتق الدولة وأجهزتها، لا على المصرف المركزي”.

ويشدّد الخوري على أن أهمية التعميم تكمن في كونه “يقدّم نوعًا من التأمين المزدوج: من جهة، حماية المصارف اللبنانية من خطر الوقوع تحت طائلة العقوبات، ومن جهة ثانية، تحصين مصرف لبنان نفسه من أي اتهامات بالتقصير أو التواطؤ في ملفات حساسة سياسيًا”.

وختم بالقول: “التعميم رقم 170 هو وثيقة سياسية بقدر ما هو أداة نقدية. داخليًا، يرفع المسؤولية عن المصرف المركزي في ما لا يدخل ضمن سلطته القانونية، وخارجيًا، يشكّل برهانًا على التزامه بالمعايير الدولية. إنها رسالة واضحة: مصرف لبنان يحمي ما هو ضمن نطاقه، وما عداه، فهو من اختصاص الدولة اللبنانية”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا