الخوري لـ” الاقتصاد اللبناني” : الجغرافيا الأمنية في لبنان هي المحرك الفعلي لبوصلة الأسواق

منذ أيام، برز تطوّر لافت تمثّل في تحييد العاصمة بيروت وعدد من المناطق اللبنانية عن دائرة الأعمال الحربية الإسرائيلية، عقب الأحداث الكبيرة التي شهدتها البلاد يوم الأربعاء الماضي. هذا الواقع المستجد يطرح تساؤلات جوهرية حول انعكاساته الاقتصادية: هل يشكّل هذا “الفصل الجغرافي” فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ضخّ بعض الحياة في الأسواق، أم أنّ تداعيات الحرب المستمرة في الجنوب ستبقى قادرة على شلّ مختلف مفاصل الاقتصاد، مهما ابتعدت جغرافياً عن مراكز القرار والإنتاج؟
وفقاً للكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري “الجغرافيا الأمنية في لبنان هي المحرك الفعلي لبوصلة الأسواق، حيث ترتبط ثقة المستثمر ارتباطًا عضويًا ببعد النيران عن المركز المالي والإداري للدولة. وفي حال تم حصر العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، ننتقل من فرضية اقتصاد الحرب الشاملة التي تشل مفاصل الدولة، إلى نمط احتواء جغرافي للنزاع يسمح بهوامش مناورة اقتصادية محدودة.”

واكد في حديث لموقعنا Leb Economy ان “هذا الفصل الجغرافي يمنح القطاعات الإنتاجية في العاصمة والمناطق البعيدة عن القصف قدرة على التنفس، حيث تظل حركة الاستهلاك مرتبطة بالمناطق التي تتمتع بإستقرار نسبي، مما يحافظ على تدفقات نقدية تمنع الانهيار الكامل للشركات الكبرى”.

واشار الخوري الى ان “تأثير هذا الاحتواء يظهر بوضوح في القطاع الانتاجي وسعر صرف الليرة، فبقاء بيروت خارج دائرة الاستهداف المباشر يقلل من حدة الهلع النقدي ويحافظ على استمرارية العمليات اللوجستية والانتاجيى الأساسية”، لافتاً الى إن استقرار العاصمة يعني استمرار عمل المطار والمرفأ، وهما الشريانان الوحيدان المتبقيان لتغذية السوق بالسلع والخدمات. بدون هذه المرافق، يدخل الاقتصاد في نفق العزلة التامة، أما مع تحييدها، فإننا نشهد حالة من “التأقلم القسري” حيث تستمر الدورة الاقتصادية بحدودها الدنيا رغم جراح النزف في الجنوب.”

واعتبر الخوري ان ” السيناريو الإيجابي يرتبط بقدرة النظام الاقتصادي على عزل مخاطر الجبهة عن مراكز القرار المالي، مما قد يؤدي إلى تحسن نسبي في حجم التداول اليومي بالأسواق. ومع ذلك، يظل هذا التعافي هشًا ومحكومًا بمدى اليقين الأمني، إذ إن أي ضربة غير متوقعة للمراكز الحيوية تعيد المؤشرات إلى نقطة الصفر”.

وكشف عن ان الاقتصاد اللبناني أظهر تاريخيًا قدرة فائقة على “المرونة المشوهة” في تجارب سابقة، حيث كانت الأسواق تستعيد حركتها فور تراجع حدة التهديد عن المركز، لكن هذه العودة غالبًا ما تكون مؤقتة وليست نموًا مستدامًا، لكونها تفتقر إلى الاستثمارات الطويلة الأجل التي تتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا شاملًا.

ورأى الخوري انه “يجب مراقبة حجم السيولة المتداولة وقرارات الشركات الكبرى بشأن التوسع أو الإغلاق كـميزان حقيقي لنجاح هذا الاحتواء”، وشدد على إن التعافي الممكن في ظل حصر النزاع هو تعافي تقني يهدف إلى البقاء على قيد الحياة وليس الازدهار.

واكد الخوري ان الأسواق يمكن أن تستعيد جزءًا من حيويتها المفقودة بشرط بقاء الخطوط الحمراء حول بيروت والمرافق السيادية قائمة، إلا أن هذا النشاط سيظل رهينة التطورات الميدانية، مما يجعله تعافيًا منقوصًا ومثقلًا بأعباء المخاطر المرتفعة التي تمنع عودة الرساميل الضخمة إلى بلد لا يزال يرزح تحت وطأة اقتصاد النزاع.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ” الاقتصاد اللبناني” : يواجه الاقتصاد اللبناني اليوم منعطفًا هو الأخطر في تاريخه الحديث

دون شك، كان شهر آذار قاسياً على الاقتصاد اللبناني اذ يرزح تحت تداعيات مباشرة وغير مباشرة لحربين، واحدة في المنطقة واخرى في لبنان. فهذه التداعيات طالت مختلف القطاعات، من البنية التحتية إلى الزراعة والسياحة، وصولاً إلى أسواق المال. في قراءة اقتصادية خاصة، يستعرض موقعنا Leb Economy مع عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا والكاتب في الاقتصاد السياسي، د. بيار الخوري، المشهد الاقتصادي في لبنان وحجم الخسائر المتوقعة وآفاق التعافي.

وفقاً للخوري “يواجه الاقتصاد اللبناني اليوم منعطفاً هو الأخطر في تاريخه الحديث، حيث تتداخل الأزمات الهيكلية السابقة مع دمار ممنهج طال ركائز الإنتاج الوطني خلال شهر واحد من الصراع المحتدم”.

وتوقّع الخوري أن تفوق الخسائر المادية المباشرة للحرب الحالية خسائر حرب الـ 66 يوماً عام 2024، والتي قدّرها البنك الدولي بـ 13 مليار دولار، وذلك نتيجة الاستهداف الواسع والممنهج للبنية التحتية من شبكات طرق وجسور ومحطات طاقة واتصالات، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية وعزل مناطق إنتاجية كبرى عن الأسواق الرئيسية.

وأشار إلى أن “الدمار الناتج عن الحرب لم يتوقف عند الحجر، بل امتد ليضرب القطاع الزراعي في الصميم، خاصة في المناطق الحدودية والبقاعية، حيث احترقت آلاف الهكتارات وتوقفت سلاسل الإمداد الغذائي المحلي، مما ينذر بفجوة أمن غذائي حادة وتراجع ضخم في المساهمة القطاعية للناتج المحلي الإجمالي، الذي شهد انكماشاً فورياً يُقدّر بنسب قياسية خلال هذه الفترة الوجيزة”.

وقال الخوري: “إلى جانب الركام المادي، تبرز الخسائر غير المباشرة كنزيف صامت يهدد الاستدامة المالية للدولة، حيث توقف المحرك السياحي الذي يمثل شريان الحياة للعملة الصعبة تماماً، مع إلغاء كافة الحجوزات وتحويلات الأموال الأجنبية والوطنية، ناهيك عن التوقف عن التوظيف في الاقتصاد الوطني”.

وأضاف: “هذا التوقف القسري للنشاط الاقتصادي عمّق حالة عدم اليقين، ودفع بالعملة المحلية نحو مخاطر التدهور رغم محاولات التدخل النقدي المحدودة، كنتيجة لفتيل التضخم، مما جعل السلع الأساسية بعيدة عن متناول شريحة واسعة من اللبنانيين الذين تقلّصت قدرتهم الشرائية بشكل دراماتيكي”.

ورأى أن انسداد آفاق الاستثمار الخاص في ظل هذه الظروف يعني حكماً تعطل دورة رأس المال لسنوات قادمة، مما يحوّل الأزمة من مؤقتة إلى بنيوية مستعصية.

وفي رد على سؤال، شدد الخوري على أنه “لا يمكن فصل واقع الاقتصاد اللبناني عن محيطه الإقليمي المتفجّر، إذ أدت الحرب ضد إيران والتدخلات الجيوسياسية إلى خنق ممرات التجارة الخارجية البرية والبحرية، مما رفع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات غير مسبوقة وأدى إلى اضطراب حاد في سلاسل التوريد. كما أن الأسواق المالية اللبنانية، التي تعاني أصلاً من فقدان الثقة، وجدت نفسها في مواجهة ضغوط إقليمية هائلة مع تراجع المساعدات والتدفقات المالية التي كانت تشكّل صمام أمان في الأزمات السابقة”.

واعتبر أن “هذا الترابط العضوي بين اشتعال الجبهات الإقليمية وعدم استقرار الداخل اللبناني جعل من فاتورة الحرب تتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة لتشمل خسارة لبنان لموقعه كمنصة خدماتية وتجارية في المنطقة لصالح منافسين إقليميين انتهزوا فرصة الفراغ القسري”.
وفي إطار حديثه عن آفاق التعافي، أكّد الخوري أن “آفاق التعافي ستبقى مرتبطة بشكل عضوي بوقف شامل للأعمال الحربية وتبنّي استراتيجية إصلاحية جذرية تتجاوز المسكنات المؤقتة، وتبدأ بإعادة إعمار ذكية تركز على القطاعات المنتجة بدلاً من الريعية”، مشيراً إلى أن إمكانية النهوض تتطلب بناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على اللامركزية التنموية، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص لترميم المرافق الحيوية، مع ضرورة إقرار قوانين إصلاحية نقدية تضمن حماية ما تبقى من ودائع وتحفّز عودة المغتربين للاستثمار.

وختم الخوري قائلاً: “رغم قتامة المشهد، فإن الإرادة الوطنية المدعومة بخطط طوارئ اقتصادية شفافة ومؤطّرة دولياً هي السبيل الوحيد لمنع الانهيار الكامل وتأسيس قاعدة لاستقرار مستدام يقي البلاد من ارتدادات الهزات الإقليمية المستمرة. وفي نفس المضمار، يعد قطاعا الطاقة والاتصالات في لبنان العمود الفقري لأي محاولة تعافي مستقبلي، نظراً لترابطهما مع كافة الأنشطة الصناعية والخدمية المعطلة حالياً”.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ “هنا لبنان” : الاقتصاد الرّقمي ضرورةً ملحّةً لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني

 يوضح المحلل الاقتصادي البرفيسور بيار الخوري لـ “هنا لبنان” أنّ “الاقتصاد الرّقمي ليس مجرّد خيار استراتيجي، بل ضرورةً ملحّةً لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني وتحقيق التنمية المُستدامة”.

ويشير إلى أن “الانتقال نحو اقتصاد رقمي ممكن أن يحقّق فرص نمو اقتصادي كبيرة من خلال تحسين الكفاءة وتعزيز الشمول المالي، خاصةً بفضل القوّة الكامنة للمواهب التّكنولوجية في لبنان. فالشباب اللبناني لديه مهارات رقمية تؤهّله للابتكار والمنافسة على المستوى العالمي، ممّا يجعل الاقتصاد الرّقمي سوقًا واعدةً للاستثمار”.

“ومع ذلك، يواجه لبنان تحدّياتٍ كبيرةً تعيق هذا التحوّل، أبرزها ضعف البنية التحتية الرّقمية، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي المتكرّر وبطء الوصول إلى الإنترنت. كما أنّ تراجع الثقة في النظام المصرفي بعد الأزمة المالية يمثّل عقبةً رئيسيةً أمام تبنّي الخدمات الرقمية. ولتجاوز هذه المعوقات، يشدد الخوري على أهمية توفير الحماية التشريعية للمعاملات الإلكترونية، وتحفيز الاستثمارات في البنية التحتية، وتحفيز الحلول المالية الرّقمية من خلال حوافز ضريبية وحملات توعية مجتمعيّة”، بحسب الخوري.

علاوةً على ذلك، تؤثّر عادات المعاملات النقدية من جهة، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي من جهة أخرى، في قدرة لبنان على تقليل الاعتماد على النّقد. وتعتبر تطوير حلول دفع إلكتروني بسيطة وآمنة خطوةً حيويةً لتعزيز البدائل الرّقمية، خاصةً في المناطق الرّيفية وشرائح المجتمع ذات التعليم المحدود، إذْ يتطلّب هذا الأمر برامج تدريب وتوعية فعّالة لإيصال الفوائد الرّقمية إلى جميع المواطنين.

ويلفت الخوري إلى “إمكانية تسريع التحوّل الرّقمي إذا تعاونت السلطات التنظيمية مع شركات الاتصالات لبناء أنظمة دفع عبْر الهاتف المحمول، كما أنّ تبنّي سياسات مرنة تُشجع على الابتكار في التّكنولوجيا المالية من خلال تسهيل إجراءات ترخيص الشركات الناشئة، الأمر الذي يساهم بشكلٍ كبيرٍ في دعم جهود الشمول المالي”.

ويضيف الخوري: “مع ذلك فإنّ تحقيق الاستقرار الاقتصادي يتطلّب إصلاحاتٍ هيكليةً جذريةً، تشمل مكافحة الفساد في السياسات الحكومية، وإعادة هيكلة شاملة للنظام المصرفي. يتطلب الأمر كذلك اعتماد أنظمةِ دفعٍ مركزيةٍ حديثة، وإصلاح السياسات الضريبيّة لتحقيق العدالة المالية”.

ويتابع: “من جهة أخرى، يوفِّر التحوّل الرّقمي فرصًا لتعزيز الإيرادات الضريبيّة من خلال تتبّع المعاملات، وتمويل الشركات الصغيرة عبر البيانات الرّقمية. كما يمكن أن يجذب الاستثمار الأجنبي إلى قطاعَيْ التّكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية، مما يعزّز السوق اللبنانية ككلّ”.

“ولجذب الاستثمارات الأجنبية في القطاع الرّقمي، يتطلّب الأمر إنشاء نظام قانوني جذّاب ينظم العملات المشفرة ويحمي حقوق المستثمرين، إلى جانب بناء بنيةٍ تحتيةٍ رقميةٍ متقدمةٍ بالشراكة مع الجهات الدولية. وبالجاذبية المناسِبة، يمكن أن يتحوّلَ لبنان إلى مركزٍ إقليمي للابتكار المالي من خلال تقديم الإعفاءات الضريبيّة للشركات الناشئة في التّكنولوجيا المالية، وتدريب الكفاءات المحلية بالتعاون مع المؤسّسات الدولية، إذا كان هناك تصميم سياسي حقيقي على تنفيذ الإصلاحات المؤسّسية”، بحسب الخوري.

وفي المحصّلة، يظهر التحوّل نحو الاقتصاد الرّقمي في لبنان كفرصةٍ واعدةٍ للنموّ، على الرَّغم من التحديات الكبيرة التي يتعيّن مواجهتها، إذْ يتطلّب هذا المسار تعاونًا شاملًا بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرصة.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا