الخوري لـ”ليبانون ديبايت” : الأزمة اللبنانية لم تكن قدراً محتوماً بل نتيجة تراكم خيارات قصيرة النظر

يشرح الخبير في الشؤون المالية والاقتصادية وعميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري لـ”ليبانون ديبايت” أنه “حين نعود إلى السنوات التي سبقت انفجار الأزمة اللبنانية، يتضح أن السياسات النقدية والمالية اتسمت بجمود وتراكم أخطاء مزمنة. منذ 2019 برزت محدودية قدرة مصرف لبنان على الاستمرار في سياسة تثبيت سعر الصرف، بغياب إصلاحات مالية وبنية إنتاجية قادرة على تغذية السوق بالعملات. كان الاعتماد شبه الكلي على تدفقات الودائع والتحويلات الخارجية يخلق وهم الاستقرار، في حين كانت المالية العامة غارقة في العجز والمديونية المتصاعدة”.

ويضيف: “جرى الدفاع عن الليرة عبر احتياطيات آخذة في الاستنزاف، ورافقتها سياسات إنفاقية توسعية من جانب الحكومات والبرلمانات من دون رقابة جادة أو خطط إصلاحية متكاملة. القوة الوحيدة التي يمكن رصدها في تلك المرحلة كانت قدرة المؤسسات النقدية على إطالة عمر النظام المالي أطول مما كان متوقعاً، غير أن الكلفة تراكمت بشكل جعل الانفجار حتمياً”.

للاطلاع على المقال كاملا:  اضغط هنا 

الخوري لـ” نداء الوطن” : الاستهلاك التلقائي الذي نشهده لا يعكس ترفًا بقدر ما يكشف عن محاولة فردية لتعويض انعدام السيطرة

على الرغم من الواقع المالي والاقتصادي والمصرفي وارتفاع نسبة الفقر في لبنان، تستمرّ شريحة واسعة من الناس في اللهاث خلف أنماط استهلاك مرتبطة بالـ “برستيج” مثل اقتناء الهواتف الحديثة، قروض السيارات، حفلات الأعراس المكلفة، أو ارتياد مطاعم باهظة.

ففي العاصمة بيروت وضواحيها، ارتفعت نسب الاستدانة الفردية لشراء هواتف “iPhone” أو تنظيم حفلات تخرّج، وأعراس، رغم أن أصحابها قد لا يستطيعون دفع بدلات الإيجار أو الأقساط المدرسية، ما يخلق ضغطًا نفسيًا هائلًا، وشعورًا مستمرًا بالعجز أو الإحباط.

ومن هنا، يأتي تأكيد بعض علماء النفس في السنوات الأخيرة أنّ اللبنانيين أصبحوا اليوم داخل دوّامة “الاحتراق النفسي الاستهلاكي” والأخطر أنّ الفرد نفسه أصبح بلا مناعة، فلا التربية ولا التعليم ولا الإعلام توفر أدوات وعي أو دفاع، وأنه في ظلّ غياب المناعة النفسية والثقافية بدأ اللبناني يتحوّل إلى وعاء مفتوح تُسكب فيه الرغبات المصنّعة.

يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور بيار الخوري أن هذه الظاهرة في لبنان تتجاوز كونها سلوكًا فرديًا إلى كونها نتيجة بنيوية لسياق اقتصادي – اجتماعي مختلّ. فالاستهلاك التلقائي الذي نشهده، خصوصًا في لحظات الانهيار المالي، لا يعكس ترفًا بقدر ما يكشف عن محاولة فردية لتعويض انعدام السيطرة.

ويعطي الخوري مثالًا وهو أن انهيار الليرة اللبنانية لم يؤدِّ فقط إلى تسارع الأسعار المقوّمة بها، بل أضيف إليه أيضًا تسارع التضخم حتى في السلع والخدمات المسعّرة بالدولار أو العملات الأجنبية، نتيجة اضطراب البنية التحتية، وتكاليف التشغيل، وانعدام اليقين في السوق.

ويتابع أنّ هذا الاضطراب المستمرّ حوّل الليرة إلى كيان فاقد للثقة، ما شجّع على استبدالها الفوري بأي “قيمة” محسوسة، حتى وإن كانت سلعة غير ضرورية. ليخلص بأنه ومن هنا، يغدو الإنفاق شكلًا من أشكال المقاومة النفسية، في ظلّ غياب أي ضمانات مستقبلية أو منظومات حماية اجتماعية.

ويلتقي العديد من علماء النفس على أنّ هذا السلوك ناجم عن تأثير ثقافة المقارنة عبر السوشيال ميديا، وضغط الصورة الاجتماعية، ما يدفع الأفراد إلى اختيارات استهلاكية تفوق قدراتهم الحقيقية، وتُنتج لديهم نوعًا من “الاحتراق النفسي الاستهلاكي”.

أمّا على الصعيد الاجتماعي، فيشير الخوري إلى أنّ السلع لم تعد تلبّي حاجات، بل تسدّ فجوات رمزية. معتبرًا أنه في مجتمعات متفكّكة معنويًا ومؤسساتيًا، تتحوّل الدمى والحقائب والأحذية إلى رموز هوية وانتماء، تعوّض انهيار البنى الجامعة؛ حيث تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في ترسيخ هذه الرمزية، عبر تكرار بصري وعاطفي يولّد حاجات وهمية.

ويعلّق الخوري على ظاهرة “Labubu”، حيث تحوّلت من دمية بلا قيمة استخدامية فعلية إلى رمز استهلاكي مشحون بالمعاني، مفعّل بخطاب الندرة والتميّز، ما يعكس آليات الرأسمال الرمزي كما صاغها “بيار بورديو” ، وهكذا اكتسحت دمية صينية الأسواق العالمية وصولًا إلى الأسواق اللبنانية.

ويُعرّف بورديو – وهو عالم اجتماع فرنسي، يعدّ أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر- “الرأسمال الرمزي” بأنّه شكل من أشكال القوّة غير المعلنة، يعتمد على الاعتراف الاجتماعي والشرعية التي يُضفيها المجتمع على الرأسمال الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي عندما يُحوَّل إلى رمزية.

للاطلاع على المقال كاملا:  اضغط هنا

من منصات مفتوحة إلى سياسات وطنية: الـ”MOOCs” ومستقبل المعرفة | بقلم د. بيار الخوري

المواد الكثيفة المفتوحة المصدر، أو ما يُعرف عالميًا بالـ Massive Open Online Courses، أو MOOCs اختصاراً، هي مقررات تعليمية تُقدَّم عبر الإنترنت بشكل مجاني أو بتكلفة رمزية، وتتميز بانفتاحها على أعداد ضخمة من المتعلمين من مختلف أنحاء العالم. هذه المقررات ليست مقتصَرة على المحاضرات الرقمية فحسب، بل تشمل أيضاً أنشطة تفاعلية وتقييمات ومنتديات للنقاش، بحيث يتمكن الطالب من متابعة المحتوى بالوتيرة التي تناسبه. منذ ظهورها مطلع العقد الماضي عبر منصات مثل Coursera وedX و FutureLearn، شكلت MOOCs ثورة في فكرة التعليم العالي من حيث الانتشار والوصول، وأثارت نقاشات واسعة حول إمكانية اعتمادها أكاديمياً، ومدى قدرتها على منافسة التعليم الجامعي التقليدي.

لمناسبة تكريم كورسيرا لكازاخستان ومنح وزير التعليم العالي فيها جائزة “بطل التعليم “Learning Hero Award مقابل جهوده في إدماج التعليم الرقمي وتوسيع نطاق الاستفادة من الدورات المفتوحة، يفرض النقاش نفسه حول علاقة الجامعات بالـMOOCs منذ انطلاقها قبل أكثر من عقد. هذه العلاقة بدأت في الغرب كمغامرة معرفية أثارت أسئلة حول الاعتراف الأكاديمي والملكية الفكرية ومنح الاعتمادات، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى ساحة شدّ وجذب بين المنصات الخاصة والجامعات التقليدية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، اندمجت المقررات المفتوحة تدريجياً داخل مسارات رسمية عبر برامج مثل MicroMasters وNanodegrees، بينما اختارت أوروبا نهجاً أكثر تحفظاً قائماً على منصات وطنية وقارية مثل FUN-MOOC في فرنسا وMiríadax في إسبانيا، تجنباً للتبعية الكاملة للشركات والنظام التعليمي الأميركي.

لكن ما يثير الانتباه أكثر هو أن الطفرات الحقيقية ظهرت خارج الغرب، في دول اعتُبرت “هوامش” النظام التعليمي العالمي، فتحولت MOOCs فيها إلى رافعة استراتيجية. في رواندا، أطلق برنامج Kepler شراكات سمحت للطلاب واللاجئين بالجمع بين محتوى عالمي ودعم محلي. الأردن من جهته أسس منصة إدراك لتوفير مقررات عربية مفتوحة ربطت الجامعات بالفضاء الرقمي العالمي. نيبال عملت على إدخال موارد تعليمية مفتوحة حتى في القرى الجبلية المعزولة عبر مبادرة OLE Nepal . أما في الخليج، فقد جرى دمج MOOCs ضمن خطط التحول الوطني، من مبادرة “مدرسة” في الإمارات إلى “رواق” في السعودية، مع مسعى واضح لربط التعليم المفتوح بتأهيل القوى العاملة ورؤية اقتصادية مستقبلية. المغرب العربي اعتمد مقاربة أكثر تواضعاً عبر منصات محلية في المغرب وتونس، حيث يشكل ضعف البنية التحتية عائقاً أمام الانتشار الأوسع.

في آسيا، برزت تجربتان محوريتان: الهند بمنصة SWAYAM التي جعلت المقررات المفتوحة جزءاً رسمياً من النظام الجامعي عبر اعتمادها في احتساب الساعات الأكاديمية، والصين عبر XuetangX وغيرها من المنصات التي وضعتها تحت مظلة استراتيجية وطنية للسيادة الرقمية والانتشار العلمي. أما دول جنوب شرق آسيا فاعتمدت نماذج مرنة: سنغافورة ربطت MOOCs ببرنامج “مهارات المستقبل” الذي يمنح كل مواطن رصيداً مالياً للتعلم عبر المنصات، وماليزيا أطلقت “Malaysia MOOC” كجزء من سياسة التعليم العالي، فيما استخدمت إندونيسيا التعليم المفتوح لتغطية ملايين الطلاب الموزعين على جزرها.

هذه التجارب تبيّن أن ظاهرة MOOCs خرجت من كونها مشاريع موارد إضافية للجامعات الأميركية، وتحولت الى سياسة تعليمية وطنية في عدد متزايد دوماً من البلدان والاستراتيجيات التعليمية. وإذا كان الغرب قد أسس المنصات وأطلق الجدل، فإن مناطق مثل الهند والصين والخليج العربي وكازاخستان ورواندا وغيرها قدّمت الدليل العملي على أن التعليم المفتوح قادر على إحداث تحولات جذرية حين يُدمج ضمن رؤية وطنية شاملة.