الخوري لـ “نداء الوطن ”: قراءة المشهد الاقتصادي اللبناني في ظل التصعيد العنيف تتطلب مقاربة ديناميكية تعتمد على “نماذج محاكاة الصدمات”

اعتبر الخبير الاقتصادي بيار الخوري أن اللحظة الراهنة تتسم بحساسية فائقة، حيث دخل لبنان منذ الأسبوع الأول من آذار 2026 في طور جديد من التصعيد الإقليمي الذي أحدث صدمة فورية في المؤشرات الاقتصادية، إذ تشير تقديرات معهد التمويل الدولي ومحللين ماليين إلى أن استمرار الأعمال العدائية بهذا الزخم سيؤدي إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 7 % و10 % في نهاية العام، مع تراجع حاد في إيرادات الدولة يُقدر بخسارة تتراوح بين مليار وملياري دولار من المداخيل الضريبية والجمركية المتوقعة، وهذا النزيف اليومي للكلفة الاقتصادية الإجمالية بات يُقدر بنحو 32 مليون دولار يوميًا، منها 16 مليون دولار كخسائر صافية في التدفقات والإنتاج والخدمات.

 

انهيار الموازنة
على مستوى المالية العامة، أوضح الخوري أن موازنة 2026 التي كانت تهدف لتصفير العجز تواجه اليوم خطر الانهيار العملي، حيث تسببت الموجات الجديدة من النزوح (أكثر من 400 ألف نازح جديد في الأسبوع الأول من آذار) في قفزة مفاجئة في النفقات الإغاثية والطبية، تزامنًا مع تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى 104 دولارات للبرميل، مما يفرض ضغوطًا هائلة على تكاليف الطاقة والنقل، ويؤدي إلى تراجع الجباية في المرافق الحيوية مثل المطار والمرفأ نتيجة التهديدات الأمنية إلى تعميق الفجوة التمويلية، مما يثير مخاوف جدية من لجوء الدولة للتمويل النقدي عبر المصرف المركزي، وهو ما قد يدفع سعر صرف الدولار نحو مستويات قياسية جديدة قد تتجاوز 120 ألف ليرة في حال طال أمد الصراع.

 

خطر اجتماعي وغذائي
اجتماعيًا، اشار الخوري إلى أن الأسبوع الأخير سجل تدميرًا إضافيًا في الوحدات السكنية تجاوز 200 ألف وحدة متضررة تراكميًا، مع توقف أكثر من 70 % من المؤسسات في المناطق الساخنة عن العمل كليًا، مما يرفع معدلات البطالة الفورية ويضع 80 % من السكان تحت تهديد انعدام الأمن الغذائي، ومع استمرار تعطيل القوانين الإصلاحية، باتت ثقة المستثمرين في أدنى مستوياتها التاريخية، حيث يُنظر إلى لبنان حاليًا كمنطقة نزاع مفتوح تفتقر للحد الأدنى من الانتظام المالي والتشريعي، مما يجعل استدامة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والتعليم والصحة في مهب الريح ما لم يتم تدارك الموقف برؤية طارئة تتوافق مع معطيات “اقتصاد الحرب” الذي فرضه الواقع الجديد.

واعتبر الخوري ان قراءة المشهد الاقتصادي اللبناني في ظل التصعيد العنيف الذي بدأ مطلع آذار 2026 تتطلب كذلك مقاربة ديناميكية تعتمد على “نماذج محاكاة الصدمات”، حيث إن الكلفة لا تقاس فقط بحجم الدمار المادي، بل بتعطل التدفقات المالية وفقدان الفرص البديلة، مقدّمًا تحليلاً للسيناريوات الثلاثة المحتملة وتأثيراتها على الواقع المالي والاجتماعي:

– السيناريو الأول: صراع قصير الأمد (لا يتجاوز الشهر)
يفترض هذا المسار التوصل إلى وقف إطلاق نار سريع خلال آذار 2026، وهنا تقتصر الأضرار على “صدمة سيولة” حادة ولكنها موقتة، حيث يقدر انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2 % إلى 3 % إضافية، مع تراجع في إيرادات الدولة بنسبة 15 % نتيجة تعطل الجباية والنشاط السياحي القصير، وتظل الفجوة المالية في موازنة 2026 قابلة للاحتواء عبر إعادة تخصيص بعض البنود، بينما تبقى الضغوط على سعر الصرف محصورة ضمن هوامش تدخل المصرف المركزي، ومع ذلك، سيحتاج لبنان إلى نحو مليار دولار بشكل فوري لترميم الأضرار المباشرة في البنية التحتية والوحدات السكنية التي دمرت في هذا الشهر.

– السيناريو الثاني: نزاع متوسط الأمد (من شهرين إلى ستة أشهر)
في حال استمرار الحرب حتى خريف 2026، سينتقل الاقتصاد من حالة الصدمة إلى “الركود العميق”، حيث تشير المحاكاة إلى انكماش الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 10 % و15 %، وسيشهد هذا السيناريو انهيارًا في إيرادات الخزينة بنسبة قد تصل إلى 50 %، مما يدفع العجز المالي إلى مستويات غير مسبوقة تضطر الدولة معها إلى التوقف عن تمويل نفقات غير الرواتب، وستقفز معدلات البطالة لتتجاوز 40 % مع إغلاق دائم لآلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما سيتعرض الاستقرار النقدي لهزات عنيفة نتيجة تآكل الاحتياطيات بالعملة الأجنبية، مما يرفع كلفة المعيشة بنسبة 200 % إضافية بسبب تعطل سلاسل التوريد وارتفاع كلفة التأمين والشحن.

– السيناريو الثالث: صراع طويل الأمد (نزاع مفتوح أو استنزاف)
يعد هذا السيناريو هو الأكثر قتامة، حيث يتحول لبنان إلى “اقتصاد معطل” بنيويًا، مع انكماش قد يتجاوز 25 % من الناتج المحلي، وفي هذه الحالة، ستفقد الدولة سيطرتها على الموازنة العامة بالكامل، وتتحول الميزانية إلى أرقام صورية في ظل غياب الجباية وتوقف المرافق الحيوية كالمطار والمرفأ لفترات طويلة، وستصل معدلات الفقر إلى 90 % مع انهيار كامل في شبكات الأمان الاجتماعي والخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة، كما سيؤدي غياب القوانين الإصلاحية في هذا المناخ إلى عزل لبنان ماليًا عن النظام العالمي، مما يجعل أي عملية إعادة إعمار مستقبلية مرتبطة بشروط سياسية ومالية قاسية جدًا، وتقدر كلفة استعادة حجم الاقتصاد لما قبل آذار 2026 في هذا السيناريو بأكثر من عقد من الزمن.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ”الديار”: الاقتصاد اللبناني يواجه صدمة مركبة تتقاطع فيها المخاطر الأمنية، مع الاختلالات البنيوية

يقول الكاتب في الاقتصاد السياسي الدكتور بيار الخوري لـ «الديار»: «في ظل التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و»إسرائيل» من جهة ثانية، ومع استئناف المواجهة على الجبهة اللبنانية، يواجه الاقتصاد اللبناني صدمة مركبة تتقاطع فيها المخاطر الأمنية، مع الاختلالات البنيوية القائمة منذ عام 2019»، لافتا أن «حجم الاقتصاد بعد سنوات الانكماش يقدّر بنحو ثلاثين إلى اثنين وثلاثين مليار دولار، ما يجعل أي خسائر إضافية ذات أثر نسبي مرتفع قياسا إلى الناتج».

خسائر مباشرة تتجلّى بكلفة النزوح وتعطل مرافق الدولة
وبالنسبة للخسائر المباشرة المحتملة أشار «إلى أنها تشمل أضرار البنية التحتية وشبكات الكهرباء والاتصالات والمنشآت الإنتاجية والتجارية، إضافة إلى كلفة النزوح وتعطّل المرافق العامة، ويمكن أن تتراوح في حال امتداد العمليات لأسابيع بين مليار وثلاثة مليارات دولار، مع قابلية الارتفاع إلى مستويات أعلى، إذا اتسع النطاق الجغرافي أو طال أمد النزاع».

ولفت الى ان الخسائر غير المباشرة تتجسد في «وقف جزئي للأنشطة التجارية، تراجع الاستثمارات، انخفاض التدفقات السياحية وتحويلات المغتربين، وارتفاع كلفة التأمين والشحن، ما قد يفضي إلى انكماش إضافي يتراوح بين خمسة وعشرة في المئة خلال عام واحد وفق مدة التصعيد وحدته».

وعن القطاعات الأكثر تضررا من جراء هذه الحرب قال: «القطاعات الأكثر تعرضا للضغط هي التجارة الخارجية، بحكم اعتماد لبنان على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية، والسياحة التي تشكل مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة، والصناعة التي تعتمد على مدخلات مستوردة وطاقة مرتفعة الكلفة، إضافة إلى قطاع الخدمات الذي يعمل في بيئة نقدية غير مستقرة، متخوفًا من أن أي اضطراب في المرافئ أو المعابر أو ارتفاع في كلفة النقل البحري ينعكس سريعًا على الأسعار المحلية وتوافر السلع».

ولفت اإلى «أن قطاع الطاقة يتأثر مباشرة عبر ارتفاع أسعار النفط العالمية أو تعثر سلاسل الإمداد، ما يزيد العجز التجاري ويضغط على ميزان المدفوعات».

 

تخوف من تقلبات حادة في سعر الصرف
أما بالنسبة لسعر الصرف فيوضح « سعر صرف الليرة اللبنانية يتحدد عمليا في سوق موازية تتأثر بالعرض النقدي والتدفقات بالدولار، رغم تثبيت الهامش السعري من قبل مصرف لبنان»، لافتا أنه «مع تصاعد المخاطر يرتفع الطلب على العملة الصعبة بوصفها أداة تحوط، وتتراجع التدفقات السياحية والاستثمارية، وتزداد فاتورة الاستيراد، ما يولد خطر تقلبات حادة واحتمال تراجع إضافي في قيمة العملة خلال فترة قصيرة».

وحول احتمال ارتفاع نسبة التضخم قال: «التضخم يتأثر عبر قناتين رئيسيتين هما تضخم مستورد نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، وتضخم ناتج من تدهور سعر الصرف، مع احتمالية عودة معدلات تضخم مرتفعة تؤثر في القدرة الشرائية للأسر وتزيد الضغوط الاجتماعية».

أما بالنسبة لتداعيات الحرب على اقتصاد المنطقة فيقول: «يمتد الأثر عبر قنوات الطاقة والتجارة وحركة الترانزيت، وتتعرض الدول المجاورة لاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع علاوات المخاطر، كما تتأثر الأسواق العالمية في حال اتساع رقعة المواجهة».

وتخوف من أن «أي تطور يمس الملاحة في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط العالمية ، نظرا إلى مرور نسبة كبيرة من تجارة النفط عبره، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة عالميا وزيادة الضغوط التضخمية، ويترجم في لبنان بارتفاع فاتورة الاستيراد الطاقوي وتراجع القدرة على تمويل الواردات الأساسية».

 

ماذا لو طالت الحرب؟

يرى الخوري «أن استمرار النزاع لفترة محدودة يفضي إلى خسائر آنية قابلة للاحتواء نسبيا، مع تراجع موسمي في النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي امتداده لأشهر إلى انكماش أعمق وتقلبات نقدية أشد وارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم، أما اتساعه إقليميا فيحمل مخاطر صدمة طاقة عالمية، وانعكاسات مباشرة على ميزان المدفوعات والاستقرار النقدي. المسار الفعلي يتحدد بمدة التصعيد، نطاقه الجغرافي، واستجابة السياسات الاقتصادية المحلية والدعم الخارجي المتاح».

لمن يود الاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا 

الخوري لـ”العربي الجديد”: استقرار منطقة الخليج العربي يعتمد على سلامة الممرات المائية الحيوية واستدامة تدفقات الطاقة

يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ “العربي الجديد”، إلى أن استقرار منطقة الخليج العربي يعتمد بشكل جوهري على سلامة الممرات المائية الحيوية واستدامة تدفقات الطاقة، حيث تشير نماذج المحاكاة الاقتصادية الكلية إلى أن المواجهة العسكرية الراهنة بين إيران والتحالف الأميركي الإسرائيلي ستولد صدمات عنيفة تتجسد أولاً في “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي قد تدفع أسعار النفط إلى هامش يراوح بين 80 و120 دولاراً للبرميل في حال استمرار الحرب.

ويستعرض الخوري 4 سيناريوهات محتملة للحرب الجارية، أولها سيناريو الحرب القصيرة المشابهة للنزاعات السابقة، وهو ما وصفه بأنه سيكون بمثابة “منفذ نجاة” للاقتصادات الخليجية، حيث يؤدي الانفجار في الطلب المؤجل والنهضة السريعة في الثقة الاستثمارية إلى توجيه الفوائض المالية الناتجة عن الارتفاع المؤقت في الأسعار نحو المشاريع الرأسمالية الضخمة، ما يعزز نمو الناتج المحلي غير النفطي ويعيد ترسيخ مكانة المنطقة مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات اللوجستية، وهو المشهد الذي يستبشر به الخوري لدوره في تقوية العملات المحلية وضبط الأسعار عبر الاستقرار السياسي.

أما في حال تحول المسار إلى تصعيد عسكري يمتد لستة أشهر، فيتوقع الخوري تباطؤاً ملحوظاً في نمو القطاع غير النفطي نتيجة حالة عدم اليقين التي تدفع المستثمرين المحليين والأجانب لتبني استراتيجية “الانتظار والمراقبة”، ما يضغط على أسواق المال والبنوك المركزية للتدخل لضمان السيولة الدولارية، لكن مع بقاء مضيق هرمز مفتوحاً “جزئياً” بما يسمح بتصدير النفط رغم اضطرابات سلاسل التوريد التي قد ترفع معدل التضخم السنوي بين 3% و5% بسبب غلاء السلع الأساسية.

ويتفاقم الخطر في السيناريو الثالث بشكل جذري، بحسب الخوري، وهو سيناريو المواجهة الإقليمية الشاملة الممتدة من ستة أشهر إلى سنتين، حيث يؤدي إغلاق مضيق هرمز، الذي يعبره 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى حرمان دول الخليج من ميزة ارتفاع الأسعار القياسي لعدم قدرتها على التصدير فعلياً، ما يسبب انكماشاً حاداً في الناتج المحلي، وتوقفاً لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ونزوحاً لرؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، ما يضع ضغوطاً هائلة على ربط العملات بالدولار ويزيد عجز الموازنات بفعل الإنفاق العسكري الطارئ.

وعلى المدى البعيد الذي يتجاوز السنتين، وهو السيناريو الرابع في توقع الخوري، قد يقود استمرار الصراع إلى تغيير هيكلي في الخريطة الاقتصادية للمنطقة، حيث تسارع القوى العالمية إلى اعتماد بدائل دائمة للطاقة بعيداً عن الخليج، وقد تتأثر خطط التنويع الاقتصادي سلباً نتيجة تحويل الاستثمارات من المشاريع التنموية إلى قطاعات الدفاع والأمن، مع ارتفاع معدلات البطالة في القطاع الخاص وإفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما يفرض مفاضلة صعبة بين الإنفاق الأمني والاجتماعي، التي يحذر الخوري من تداعياتها.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا