يشير عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، إلى أن دول الخليج تمتلك أساسيات مالية قوية وقدرات احترازية مرتفعة، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات متعددة في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين والتقلب، فالبيانات تكشف أن احتياطيات النقد الأجنبي لدول المجلس مجتمعة بلغت نحو 804.1 مليارات دولار بنهاية النصف الأول من عام 2024، وهي كافية، بحسب الخوري، لتغطية واردات السلع لمدة تقارب 15 شهراً، وتمثل رقماً يفوق بكثير المعدل العالمي، الذي يتراوح عادة بين ثلاثة وستة أشهر، ما يمنح اقتصادات المنطقة هامشاً واسعاً من المرونة لامتصاص الصدمات الخارجية، سواء المرتبطة بتقلبات رؤوس الأموال أو تراجع الطلب العالمي.
ومن زاوية النمو الاقتصادي، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تسجل اقتصادات دول الخليج نمواً بنسبة 3.9% في عام 2025، مع تسارع محتمل إلى 4.3% في عام 2026، مدفوعاً بالنشاط المتزايد في القطاعات غير النفطية والاستثمارات المحلية والخارجية، بحسب الخوري، الذي يبرز أن التضخم في المنطقة ظلّ منخفضاً نسبياً عند مستويات تتراوح بين 1.5% و2%، بفضل ربط العملات المحلية بالدولار الأميركي والسياسات النقدية المحافظة، ما يعزز الاستقرار الكلي ويحد من مخاطر التضخّم المستورد.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى قوة مالية ملموسة تدعم تقييم الصندوق الإيجابي لقدرة دول الخليج على مواجهة التحديات العالمية، حسب ما يرى الخوري، الذي يلفت أن هذا الوضع يعزز من ثقة الأسواق وقدرة الحكومات على التدخل الفعّال عند الحاجة، مضيفاً أن السياسات المالية الحذرة والتحكم الدقيق في الإنفاق يُسهمان في تقليل التقلبات الدورية ويوفران بيئة اقتصادية أكثر استقراراً. ويُظهر تقدير صندوق النقد تقدماً ملحوظاً في مسار التنويع الاقتصادي، إذ شكلت القطاعات غير النفطية نحو 73% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول الخليج مجتمعة في الربع الأول من 2025، وهو ما يراه الخوري نتاجاً لجهود منسقة في توسيع قاعدة الاقتصاد عبر قطاعات حيوية، مثل السياحة والخدمات والتجارة، ما يقلل الاعتماد على النفط مصدراً رئيسياً للنمو.
ففي السعودية، مثلاً، ارتفعت الإيرادات غير النفطية في النصف الأول من 2025 إلى 149.86 مليار ريال سعودي (نحو 39.9 مليار دولار)، ما يقربها من تحقيق توازن مع الإيرادات النفطية ويُظهر استعداداً أكبر لمواجهة تقلبات أسعار النفط، بحسب الخوري، الذي يلفت في المقابل إلى أن تقرير الصندوق يشير إلى مخاطر مستمرة، أبرزها تقلبات أسعار النفط وتأثيرها المحتمل على المالية العامة، خاصة إذا انخفضت الأسعار دون مستويات التوقعات. كما تشكل الأزمات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية تحديات إضافية تؤثر على تدفقات التجارة والاستثمار، في حين تفرض التغيّرات المناخية ضغوطاً متزايدة على القطاعات الإنتاجية وتكاليف التكيف، ما يهدد الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل، بحسب الخوري.
ولمواجهة هذه التحديات، يرى الخوري ضرورة لعب الحكومات الخليجية دوراً محورياً من خلال سياسات اجتماعية واقتصادية فاعلة، تشمل شبكات الأمان الاجتماعي، ودعم الخدمات الأساسية، والاستثمارات في الصحة والتعليم والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الجهود، إلى جانب إدارة الإنفاق العام بمرونة وتحديث أطر الحوكمة وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، تشكل ركائز رئيسية في استراتيجية الصمود. ويخلص الخوري إلى أن السياسات، المتوافقة مع توصيات صندوق النقد الدولي، لا تحمي المواطن الخليجي من تداعيات الصدمات فحسب، بل تعزّز أيضاً النمو المستدام وتضع اقتصادات المنطقة في موقع أكثر متانة لمواجهة المستقبل.
للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا
يشير الخبير الاقتصادي، عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، إلى أن قدرة دول الخليج على تحمل العبء المالي الأكبر لإعادة إعمار قطاع غزة مرهونة بتوازن دقيق بين حجم الأصول والسيولة السيادية من جهة، والضغوط الناتجة من تقلبات أسواق النفط والمال من جهة أخرى.
فمع توقع أن يبلغ متوسط سعر النفط في الربع الأخير من عام 2025 نحو 62 دولارًا قبل أن ينخفض في 2026، تضيق هوامش المرونة المالية مقارنة بمستويات التعادل التي تعتمدها موازنات عدة دول خليجية. ومع ذلك، يشير الخوري إلى أن الاحتياطيات والصناديق السيادية لا تزال كافية لتمويل التزامات خارجية موجهة ومحددة الإطار، ما يبرر اعتماد مقاربة “قدرة مشروطة” بدلًا من “شيك على بياض”.
ورغم أن الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة تتسم بارتفاع الإنفاق الاستثماري الداخلي ضمن برنامج التحول الوطني، في ظل عجز متوقع وتحذيرات من صندوق النقد الدولي من مخاطر تراجع الطلب العالمي على النفط، يؤكد الخوري أن الهوامش المالية لا تزال “ملائمة”، ما يتيح للرياض الوفاء بالتزامات خارجية شرط أن تكون مجدولة ومحمية بضوابط صارمة. وفي المقابل، تتميز دولة الإمارات بنمو غير نفطي قوي ومرونة مالية ومؤسسية أعلى، حسب تقدير الخوري، ما يجعل مساهمتها، سواء المباشرة أو عبر أدوات تمويل مشتركة، أكثر استدامة.
ورغم أن الدور الأميركي والمصري والتركي والقطري في صياغة الاتفاق وبدء تبادل الأسرى وتدفق المساعدات الأولية يوفر أساسًا سياسيًا لبدء التصميم المالي، إلا أن ذلك لا يعفي من اشتراطات صارمة تتعلق بالرقابة والتدقيق وتجزيء الصرف، حسب تقدير الخوري، منوهًا إلى أن تجارب إعادة الإعمار السابقة، لا سيما بعد عام 2014، تقدم دروسًا مباشرة تدفع اليوم إلى تطوير نموذج أكثر فعالية.
أما الكويت، فرغم وفرة أصولها فإنها تواجه عجزًا معلنًا في 2025/2026، ما يرجح، بحسب الخوري، أن تكون مساهمتها في إعادة إعمار غزة انتقائية ومرتبطة بإطارات رقابية واضحة بدلًا من تعهدات مفتوحة. وتبقى الأولوية الداخلية العامل الحاسم في تحديد حجم الدعم الخليجي لإعادة الإعمار ونوعيته، إذ تستنزف برامج التنويع الاقتصادي والمشاريع الكبرى والدعم الاجتماعي حيزًا ماليًا كبيرًا، بحسب الخوري.
وفي ظل أسعار نفط دون مستويات التعادل المالي لمعظم الموازنات، يلفت الخوري إلى أن الحكومات الخليجية تتجه إلى ربط أي تمويل مخصص لغزة بجدوى اقتصادية-اجتماعية قابلة للقياس، وسقوف زمنية محددة، وربما بتوزيع الأعباء على مراحل، موضحًا أن هذا السياق يمنح الإمارات والسعودية ميزة نسبية بفضل أدوات التمويل الأكثر نضجًا، بينما تميل الكويت وسلطنة عمان إلى تقديم مساهمات مركزة عبر قنوات متعددة الأطراف لتخفيف الأثر المباشر على موازناتهما.
وبعد توقيع اتفاق وقف النار واتساع الزخم السياسي في شرم الشيخ، تبدأ العواصم الخليجية بقراءة مرحلة ما بعد الحرب بوصفها فرصة لإعادة الإعمار في غزة، شرط توفر ضمانات سياسية وأمنية أولية، ووفق الخوري فإن وجود ترتيبات أمنية محلية قابلة للتطبيق وإشارة واضحة إلى توزيع السلطة وآليات الحوكمة في القطاع يشكلان شرطين لا غنى عنهما قبل ضخ أموال كبيرة. كما يلفت الخوري إلى أن أي تمويل خليجي واسع النطاق سيطالب بتحويل الحوكمة من مجرد “السماح بالدخول” إلى “إدارة النتائج”، مع إشراك مؤسسات دولية قادرة على ضمان المساءلة الفنية والمالية.
ويقوم النموذج التمويلي الأنسب في المرحلة الأولى لإعادة الإعمار، وفق رؤية الخوري، على “سلم تمويلي” متعدد الدرجات، يبدأ بمنح إنسانية عاجلة عبر صناديق ائتمانية بإدارة دولية، يتبعها مزيج من المساهمات الرأسمالية وصكوك تمويل تنموية موجهة لمشاريع البنية التحتية المدرة للدخل، مثل المياه والطاقة الموزعة والإسكان الميسر، مع إشراك القطاع الخاص الخليجي في عقود البناء والتشغيل والنقل. وهنا ينوه الخوري إلى أن دولة قطر تتميز بخبرة تشغيلية في آليات تحويلات مضمونة إلى غزة عبر قنوات سلعية ونقدية.
للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

