الخوري لـ”الاقتصاد اللبناني”: المخاطر الحقيقية ليست في الانفجار الفوري لسعر الصرف، بل في احتمال تسرب تدريجي للسيولة نحو المضاربة أو تهريب القيمة خارج النظام

لا يمكن ان يمر خبر ارتفاع الكتلة النقدية في منتصف حزيران الى 78 تريليون ليرة (مستوى قريب من الذورة خلال سنوات الأزمة اي 81 تريليون ليرة )، دون ان يثير موجة من التساؤل حول مستقبل سعر الصرف واسباب هذا الارتفاع. فلطالما اكد الاقتصاديون خلال السنوات السابقة ان ارتفاع حجم الكتلة النقدية يلعب دوراً رئيسياً في تصاعد سعر الصرف في حين شهدنا مع الارتفاع الاخير للنقد استقراراً في سعر الصرف. كما لطالما كان الجميع يبرّر ارتفاع حجم النقد المتداول بتمويل مصرف لبنان لإنفاق الدولة اللبنانية، في حين ان هذا التمويل متوقف منذ فترة.

ليبقى السؤال ما اسباب ارتفاع الكتلة النقدية الى 78 تريليون ليرة بعد ان سجلت نحو 49 تريليون ليرة في تشرين الثاني 2024؟ وهل من خطر يهدّد استقرار سعر الصرف؟

في هذا الإطار، اشار الباحث الأكاديمي والخبير في الشؤون المالية والاقتصادية وعميد كلية الإدارة والأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا الدكتور بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy الى انه “منذ بداية الأزمة عام 2019، تراكمت اختلالات الكتلة النقدية في لبنان نتيجة مزيج من السياسات المالية غير المنضبطة، وفقدان الاستقلال الفعلي للسياسة النقدية، واستخدام المصرف المركزي كأداة لتمويل الإنفاق العام، قبل أن يتوقف ذلك في مرحلة لاحقة. خلال هذه السنوات، توسعت الكتلة النقدية بالليرة بمعدلات غير متناسبة مع النشاط الاقتصادي الحقيقي أو القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ما ولّد ضغطًا هائلًا على سعر الصرف، كان يُدار في السابق عبر منصات متعددة، أبرزها “صيرفة” التي تم إلغاؤها منذ العام 2023 مع انتهاء ولاية رياض سلامة”.

وقال: “اليوم، في تموز 2025، ومع وجود حاكم جديد هو كريم سعيد تولى منصبه منذ أشهر، أصبح مشهد السياسة النقدية مختلفًا في أدواته، لكنه لا يزال ضعيفًا في أساساته. مصرف لبنان لم يعد يموّل الدولة، والحكومة تنفق من حساباتها الخاصة دون تمويل بالعجز، وهو تطور مهم نظريًا، لكنه لم ينعكس بعد على مؤشرات الثقة أو استقرار الكتلة النقدية. الكتلة النقدية بالليرة ما زالت كبيرة، وتدور داخليًا من دون قدرة حقيقية على التوظيف الإنتاجي، ما يجعلها كتلة “ساكنة–مضطربة”: لا تتحرك بإتجاه الاستثمار، لكنها تُحدث ضغطًا مزمنًا على الطلب على الدولار عند كل مناسبة تحفيزية”.

واوضح الخوري ان “السوق السوداء كما كانت تُعرف سابقًا لم تعد موجودة فعليًا، لأن مصرف لبنان أصبح يتدخل مباشرة في سوق القطع عبر هوامش بيع وشراء دقيقة (بين 89,000 و89,500 ليرة للدولار)، ما يخلق توازنًا اصطناعيًا في المدى القصير، لكنه يبقى ضعيفًا وقابلًا للاهتزاز عند أي تغير مفاجئ في حجم السيولة أو تدفقات الدولار. السعر السائد إذًا ليس “سعر صرف حر”، بل هو سعر مضبوط إداريًا من خلال تدخل دائم، ما يعني أن السياسة النقدية لا تزال تعمل في بيئة استثنائية تعتمد على الإدارة اليومية، لا على قواعد مستقرة.”

ولفت الخوري الى ان “الفجوة بين الكتلة النقدية والاحتياطات الفعلية – أي القابلة للإستخدام، وليست المحجوزة – ما زالت قائمة، بل آخذة في الاتساع إذا لم يُصار إلى امتصاص منظم للسيولة الزائدة. وفي ظل غياب أدوات سوق نشطة كالسندات أو شهادات الإيداع الفعالة، يصبح هامش المناورة ضيقًا جدًا أمام الحاكم الجديد. الاستقرار الظاهري في سعر الصرف لا يُخفي ضعف البنية التحتية للثقة، ولا يُمكن اعتباره استقرارًا مستدامًا ما لم تُقترن هذه المرحلة الانتقالية بسياسات مؤسسية أكثر عمقًا.”

واعتبر الخوري ان “المخاطر الحقيقية ليست في الانفجار الفوري لسعر الصرف، بل في احتمال تسرب تدريجي للسيولة نحو المضاربة أو تهريب القيمة خارج النظام، إذا ما شعر الجمهور أن هذا التوازن مصطنع أو ضعيف. كما أن هامش السعر الضيق الحالي، رغم نجاحه في الحد من التذبذبات، قد يتحوّل إلى نقطة ضعف في حال ازدياد الطلب على الدولار نتيجة عوامل غير متوقعة (مثل توترات إقليمية، أو تغيرات في تدفقات المغتربين، أو خضات في الأسواق العالمية).

ورأى انه “في ظل هذه المعطيات، لا تبدو الأدوات التقليدية كافية. فعمليات السوق المفتوحة شبه غائبة، وسندات الخزينة غير جاذبة في غياب الثقة. ما يحتاجه المركزي اليوم هو أدوات غير تقليدية لضبط الكتلة النقدية دون إحداث ذعر. أحد الخيارات هو إطلاق شهادات إيداع طويلة الأجل بالليرة، مرتبطة بمؤشر تضخم أو بسعر صرف مستقبلي، وتُحفَّز بفوائد تصاعدية مغلقة لفترات تتجاوز السنة. كذلك يمكن التفكير في آلية مزدوجة تربط بين سياسة الضريبة وسياسة النقد، بحيث تُفرض ضرائب تصاعدية على حيازة الكتلة النقدية الكبيرة غير المبررة (فكرة اولية بحاجة لتفكير اعمق)، بما يحفّز تفريغ السيولة في قنوات مصرفية مراقبة”.

واذ شدد على ان “التكامل بين السياسة النقدية والمالية هو الأساس. ولا يمكن تحميل المصرف المركزي وحده عبء إدارة الكتلة النقدية في ظل إنفاق عام غير مرن، ونظام ضرائبي غير عادل، اكد الخوري انه “ما لم يُضبط الإنفاق الجاري، وتُربط أية زيادات برواتب القطاع العام بإصلاحات حقيقية، فإن ضغط السيولة سيستمر ولو غابت الطباعة النقدية”.

وقال: “ما هو مطلوب فعليًا هو قطيعة بنيوية مع المنهج الذي أوصل الاقتصاد إلى هنا. استقلالية حقيقية للمصرف المركزي يجب أن تُترجم في قانون واضح يمنع التدخلات السياسية في القرارات النقدية. ويجب على المركزي نفسه أن يخرج من منطق إدارة الأزمة اليومية إلى منطق صياغة قواعد عامة للسياسة النقدية يمكن التنبؤ بها ومساءلتها”.

وختم الخوري: “النجاح في هذه المرحلة لا يُقاس بقدرة المصرف على إبقاء السعر عند 89,500، بل بقدرته على تقليص الفجوة بين الليرة والدولار في وعي السوق، واستعادة الثقة تدريجيًا بالليرة كأداة ادّخار وليس فقط وسيلة للتبادل. دون ذلك، فإن التوازن الراهن سيبقى ضعيفًا، مرهونًا بغياب الصدمة لا بوجود المناعة.”

للاطلاع على المقال كاملاً: اضغط هنا

الخوري لـ”نداء الوطن”: لحظة التحوّل في سوريا فتحت بابًا كان موصدًا لسنوات أمام لبنان لكنه باب مشروط يتطلّب من بيروت العمل بأقصى سرعة لترميم مؤسساتها

أوضح الخبير الاقتصادي بيار الخوري أنّ لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حسّاس. مشيرًا إلى أنّ التطوّرات الأخيرة في سوريا، خصوصًا بعد سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع إلى الحكم، فتحت نافذة جديدة من الفرص والتحدّيات أمام بيروت. «وقد كان الرئيس ترامب، في بيانه الذي رافق قرار رفع العقوبات، واضحًا في شرطه الأساسي: أيّ انفتاح اقتصادي تجاه سوريا يجب أن يقترن بضمانات حقيقية لوقف العنف من جانب الدولة المركزية في دمشق، وتأمين بيئة آمنة للاستثمار وعودة النازحين. وحتى اللحظة، تبدو الحكومة السورية الجديدة وكأنها ما زالت في بداية طريق طويل لتحقيق هذا الهدف».

وأكّد الخوري لـ «نداء الوطن» أنه على مستوى البنية التحتية، لا مجال للمقارنة بين ما هو متاح اليوم في لبنان وما هو موجود في سوريا، «بيروت وجبل لبنان ما زالا يمتلكان بنية تحتية مؤسسية وتشغيلية قابلة لإعادة التفعيل بسرعة نسبية، رغم الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تمرّ بها البلاد». لافتًا إلى أنّ المرافئ، المطارات، المناطق الصناعية، شبكات الاتصالات، وحتى بعض المؤسسات المصرفية، كلّها لا تزال قائمة وتحتاج فقط إلى إصلاحات إدارية ومالية وهيكلية لتعود إلى العمل بكفاءة. بالتالي، فإنّ هذا الامتياز الجغرافي والبنيوي يمكن أن يجعل من لبنان نقطة جذب طبيعية لأي شركات دولية ترغب في الدخول إلى السوق السورية لاحقًا ولكن تخشى المخاطر الأمنية واللوجستية هناك.

أما سوريا، فرغم الانفتاح السياسي النسبي، فاعتبر الخوري أنها تعاني من غياب شبه كامل للبنية التحتية. لا تزال المدن الرئيسية مثل دمشق، حلب، حمص، وحماة تحت وطأة الدمار. كما أن شبكات الطرق، الكهرباء، المياه، والخدمات الأساسية بحاجة إلى إعادة بناء من الصفر تقريبًا. هذا الواقع يجعل من الاستثمار المباشر داخل سوريا مخاطرة كبيرة في المرحلة الأولى، خصوصًا في ظل استمرار المخاوف من انفلات أمني محتمل أو عودة أعمال العنف، وهي المخاوف التي دفعت واشنطن أساسًا إلى فرض سلسلة من الشروط على حكومة الشرع.

لهذا السبب، يرجّح الخوري أن يلجأ العديد من الشركات الدولية والإقليمية إلى استخدام بيروت كمحطة انطلاق لعملياتها المرتبطة بإعادة الإعمار في سوريا. موضحًا أن المطارات اللبنانية، الموانئ، الشركات اللوجستية، ومكاتب الدراسات الهندسية اللبنانية قد تلعب دور الوسيط بين المستثمرين الخارجيين والسوق السورية.

لكنه حذر من أن هذه الفرصة لن تستمر إلى الأبد لأن لبنان يحتاج إلى تحرك سريع وحازم لإجراء إصلاحات اقتصادية، إصلاح القضاء، ضبط الوضعين المالي والأمني، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي. «فالعالم لن ينتظر، وإذا تأخرت بيروت عن اللحاق بموجة التعافي السوري، قد تجد نفسها متجاوزة من قبل مراكز بديلة في المنطقة مثل الأردن، قبرص أو حتى تركيا».

في الخلاصة رأى الخوري أنّ لحظة التحوّل في سوريا فتحت بابًا كان موصدًا لسنوات أمام لبنان. لكنه باب مشروط، يتطلّب من بيروت العمل بأقصى سرعة لترميم مؤسساتها، وإقناع المجتمع الدولي بأنها الشريك الطبيعي والآمن في عملية إعادة إعمار الجار السوري المنهك.

للاطلاع على المقال كاملا:  اضغط هنا