الخوري لـ”963+”: سوريا لم تعد تُرى كوحدة اقتصادية متكاملة، بل كسلسلة من الجيوب التي تختلف في مستوى المخاطرة.  

قال الدكتور بيار الخوري، عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، لــ”963+” إن قرارات المستثمرين الأجانب تتفاعل بشكل مباشر وحاسم مع خريطة الاستقرار الأمني في سوريا، موضحاً أن البلاد لم تعد تُرى كوحدة اقتصادية متكاملة، بل كسلسلة من الجيوب التي تختلف في مستوى المخاطرة.

ويشير إلى أن المستثمر حين يقيّم موقعاً ما، ينظر بدقة إلى الجهة التي تسيطر فعلياً على الأرض، وإلى مدى دوام تلك السيطرة، وإلى عمق سلاسل الإمداد المرتبطة بالموانئ والمعابر والطرق الرئيسية، فضلاً عن كثافة الحواجز الأمنية وكلفتها اليومية، إضافة إلى قدرة المنطقة على تسوية النزاعات المحلية من دون تدخل سياسي أو عسكري.

ويضيف الخوري أن رأس المال الأجنبي يتركّز بطبيعة الحال في المناطق التي تشهد انضباطاً أمنياً نسبياً، مثل دمشق والساحل وبعض مناطق الجنوب، حيث تتوجّه الأموال نحو قطاعات لا تتطلب حركة واسعة للبضائع أو التعامل مع الخارج، مثل صناعة الأغذية والأدوية والصيانة والعقارات الصغيرة.

ويؤكد في المقابل أن القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والمصارف والاتصالات تبقى خارج دائرة الاهتمام الفعلي. وبهذا، كما يقول، يمكن اعتبار رأس المال في سوريا يتحرك “كالماء”، يبحث عن المنخفضات الأكثر أماناً والأقل اصطداماً بالسلطات المتعددة.

ويشير إلى أن الاستقرار الأمني المحلي يشكّل حافزاً مؤقتاً وليس بديلاً حقيقياً عن الاستقرار السياسي. ورغم أن بعض المناطق المستقرة نسبياً استطاعت، كما يوضح، جذب شركات إقليمية أو مقاولين محليين بعقود قصيرة الأجل، إلا أن غياب الاعتراف الدولي وتقييد التحويلات المالية يجعل من أي نشاط استثماري هناك مغامرة محدودة المدى.

ويؤكد أن تحويل “جزيرة آمنة” إلى مركز اقتصادي أمر غير ممكن من دون إطار قانوني موحد وشبكة مصرفية فاعلة، لأن رأس المال الأجنبي يحتاج إلى أكثر من مجرد الهدوء، فهو يحتاج إلى قابلية تحويل الأرباح وإلى حماية قانونية معترف بها عبر الحدود. ولهذا، كما يقول، يبقى الاستقرار الأمني عاملاً مساعداً لكنه غير كافٍ لتغيير وجه الاقتصاد أو جذب شركاء عالميين.

ويضيف أن استمرار مناطق النزاع المفتوحة أو المجمّدة ينعكس بعمق على ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة السورية على حماية العقود وضمان استمرارية المشاريع. فالمستثمر الخارجي، يضيف علاوات مخاطرة إضافية لكل احتمال من احتمالات الانقطاع أو المصادرة أو تغيّر السيطرة. ولهذا تلجأ الشركات إلى تحصين عقودها ببنود التحكيم الخارجي والدفع المرحلي وحسابات الضمان خارج البلاد.

لكنه يشير إلى أن أدوات التأمين المتاحة في الأسواق الدولية لتغطية المخاطر السياسية أو الحربية تكاد تكون نادرة في الحالة السورية بسبب العقوبات، مما يجعل المستثمر يعتمد أكثر على ما يمكن تسميته “الهندسة الدفاعية للعقود” بدلاً من الضمانات التأمينية الكلاسيكية. ويؤكد أن نتيجة ذلك هي ارتفاع كلفة الدخول إلى السوق السورية بشكل يحدّ من جاذبيتها إلا للمغامرين أو لأولئك الذين تربطهم مصالح سياسية واقتصادية بالنظام القائم.

كما يشير الخوري إلى أن تفاوت الأوضاع الأمنية بين المحافظات يخلق تفاوتاً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً، إذ ينتج عنه ما يمكن وصفه باقتصاد “المناطق الآمنة” مقابل “اقتصاد المهمّشين”. فالمناطق المستقرة، كما يوضح، تستقطب العمالة والاستثمارات والخدمات، في حين تتعرض المناطق المتوترة إلى استنزاف مستمر لرأس المال البشري وتراجع في الأجور وارتفاع في أسعار السلع.

ويؤكد أن هذا التفاوت يعمّق الانقسام داخل المجتمع السوري ويكرّس شعوراً باللاعدالة بين المحافظات، مما يهدد أي مسعى وطني لإعادة الإعمار المتوازن. ويرى أن معالجة هذا الخلل تتطلب آليات مالية تعويضية ومشاريع ربط بين المناطق لتقليص “كلفة المسافة الأمنية” وتحقيق الحد الأدنى من تكافؤ الفرص الاقتصادية.

أما بخصوص المشاريع التنموية التي تسعى الحكومة إلى إطلاقها بالشراكة مع أطراف خارجية، فيوضح الخوري أنها تواجه خطر التحوّل إلى أدوات نفوذ أمني أو سياسي ما لم تخضع لآليات شفافة وواضحة. ويؤكد أن المطلوب هو نشر دفاتر الشروط ومعايير الترسية والإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات، إضافة إلى فصل القرارات الاقتصادية عن الأجهزة الأمنية، وإخضاع العقود لتدقيق خارجي سنوي.

ويشدد على ضرورة أن تخضع المشاريع لتقييم أثر اجتماعي وحقوقي يراعي معايير الأمن الإنساني لا الأمن السلطوي، حتى لا تتحول التنمية إلى غطاء لتوسيع السيطرة. ويضيف أن المشاريع التي لا تُبنى على قواعد الشفافية ستعيد إنتاج شبكة الريع نفسها التي أدّت إلى الأزمة قبل الحرب.

ويؤكد أنه لا يمكن خلق بيئة استثمارية مستدامة من دون معالجة الجذور الأمنية التي تقوّض الثقة، مشيراً إلى أن نزع السلاح وضبط الحدود وعودة المهجّرين وتسوية قضايا الملكية والإسكان تشكّل الأساس لأي استقرار اقتصادي طويل الأمد.

ويقول إن الاقتصاد لا ينمو في فراغ ولا يزدهر في ظل خوف دائم من الانفجار، موضحاً أن معالجة الأمن ليست شرطاً سابقاً للنمو فحسب، بل مكوّناً داخلياً فيه، لأن رأس المال يزدهر فقط حين يثق بأن العقد سيحترم، وأن الطريق سيبقى مفتوحاً، وأن السلطة التي يتعامل معها اليوم لن تتبدل غداً بسلاح آخر.

ويشير في ختام حديثه إلى أنه من دون هذه الثقة سيبقى التعافي السوري محصوراً في جزر محدودة تحيا على هوامش الطمأنينة المؤقتة، فيما تبقى البلاد ككل أسيرة توازن غير مستدام بين الهدوء والاحتمال الدائم للاضطراب.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا

الخوري لـ”النهار” : ترك النازحين بلا استشفاء لن يؤدي إلى خفض الأعباء بل إلى مضاعفات خطيرة

سيشهد الملف الصحي للنازحين السوريين تحوّلاً قاسياً مع توقف دعم الاستشفاء مطلع تشرين الثاني 2025، في ظل أزمة تمويل حادة طاولت المنظومة الإنسانية بأكملها داخل لبنان. هذا القرار لا يأتي في فراغ، بل يتصل بتراجع التزامات المانحين منذ 2023، وتحول أولويات الدول الداعمة نحو أزمات أخرى كأوكرانيا وغزة وأفريقيا، بالتوازي مع ضغط سياسي لبناني متصاعد للمطالبة بإعادة اللاجئين ووقف ما يُسمّى «جاذبية البقاء». ومع الانهيار المالي اللبناني وتراجع قدرة الدولة على دعم النظام الصحي، وجد ملف الاستشفاء نفسه في قلب معادلة تقول: لا تمويل دولي، ولا قدرة محلية على التعويض، ولا رؤية مشتركة لإدارة الأزمة.

توقّف التغطية الصحية ستكون له ارتدادات صحية فورية وخطيرة على عشرات آلاف المرضى. جزء كبير من النازحين يعتمد على المساعدات لمتابعة أمراض مزمنة مثل السكري وضغط الدم والربو والفشل الكلوي، وهذه الحالات تحتاج إلى متابعة وفحوص وعلاج منتظم لا يمكن تأجيله. الحالات الطارئة والجراحات الأساسية والولادات ستكون الأكثر تأثراً، إذ لا قدرة مالية لمعظم الأسر على تحمل كلفة الدخول إلى المستشفى. خلال العام 2024 أظهرت بيانات تقييمات ميدانية أن نسبة كبيرة من السوريين امتنعت أصلاً عن تلقي العلاج بسبب الكلفة، ومع وقف الدعم سيصبح الحرمان الصحي كاملاً تقريباً، ما يعني ارتفاعاً محتملاً في الوفيات والإعاقات الدائمة ومضاعفات يمكن، في الظروف الطبيعية، تفاديها بسهولة. ومع غياب البدائل، سيزداد الضغط على المستشفيات الحكومية الطارئة، التي تشكو أصلاً من نقص في التمويل والتجهيزات.

الصدمة الصحية ستتوسع اجتماعياً. الأسرة التي تعجز عن علاج طفل مريض أو ربّ أسرة مصاب بمرض مزمن ستنزلق نحو مستويات أعمق من التدهور الصحي والفقر. اللجوء إلى الطرق غير المشروعة سيتصاعد، والإنفاق على الصحة سيتم تعويضه من الغذاء والتعليم والسكن. هذا سيعني مزيداً من التسرب المدرسي، مزيداً من عمالة الأطفال، ومزيداً من الانهيار النفسي داخل العائلة. كما يُرجّح أن تتزايد حالات التشرّد أو الانتقال إلى مساكن أقل أمناً مع تفضيل الأسر تأمين أدنى احتياجات البقاء على أي كلفة أخرى. في مجتمع يعيش فيه السوري في الأصل تحت ضغط قانوني واقتصادي ومعيشي، فإن حرمانه من العلاج يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية وصحية ومجتمعية لا تقتصر عليه وحده، بل تمتد لتصيب المجتمع اللبناني أيضاً عبر انتشار الأمراض وارتفاع التوترات.

برغم قتامة المشهد، لا يزال ممكناً تجنّب الانهيار الكامل إذا جرى التحرك سريعاً نحو بدائل واقعية يمكن تطبيقها. المطلوب أولاً إنشاء آلية طوارئ قصيرة الأمد للرعاية المنقذة للحياة والولادات والحالات الحرجة فقط، بتمويل جسري يضمن استمرارية العمل في المستشفيات حتى منتصف 2026. كما يمكن تقليص الضغط على الاستشفاء عبر توسيع الرعاية الأولية منخفضة الكلفة، وتفعيل العيادات المتنقلة في المناطق الأكثر فقراً، وتأمين الأدوية الأساسية للأمراض المزمنة عبر شبكة مراكز الرعاية الصحية. ويمكن تعويض جزء من العجز عبر شراكات مع منظمات طبية كأطباء بلا حدود والصليب الأحمر، وبرامج قسائم صحية مخصصة للأسر الأكثر انكشلفاً، مع تشديد الرقابة على الفواتير الطبية وتوجيه الإحالات الاستشفائية نحو الحالات الضرورية فقط. ومن الضروري إشراك البلديات، والمجتمع المحلي، والجامعات والمستشفيات التعليمية في توفير خدمات دورية مجانية أو منخفضة الكلفة في الحد الأدنى، ريثما تستعيد المنظومة الدولية قدرتها على التمويل.

إن ترك النازحين بلا استشفاء لن يؤدي إلى خفض الأعباء بل إلى مضاعفات صحية واجتماعية واقتصادية أخطر بكثير على الجميع. القرار واقع، لكن المسار ليس قدراً. ما يمكن إنقاذه اليوم يعتمد على السرعة والجدية في بناء بدائل واقعية تمنع تحوّل الأزمة إلى كارثة إنسانية داخل مجتمعين مهددين معاً: المجتمع النازح والمجتمع المضيف. على أمل عودة النازحين إلى سوريا في القريب العاجل.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا 

الخوري لـ”العربي الجديد”: قدرة دول الخليج على تحمل العبء المالي الأكبر لإعادة إعمار قطاع غزة مرهونة بتوازن دقيق

يشير الخبير الاقتصادي، عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، إلى أن قدرة دول الخليج على تحمل العبء المالي الأكبر لإعادة إعمار قطاع غزة مرهونة بتوازن دقيق بين حجم الأصول والسيولة السيادية من جهة، والضغوط الناتجة من تقلبات أسواق النفط والمال من جهة أخرى.

فمع توقع أن يبلغ متوسط سعر النفط في الربع الأخير من عام 2025 نحو 62 دولارًا قبل أن ينخفض في 2026، تضيق هوامش المرونة المالية مقارنة بمستويات التعادل التي تعتمدها موازنات عدة دول خليجية. ومع ذلك، يشير الخوري إلى أن الاحتياطيات والصناديق السيادية لا تزال كافية لتمويل التزامات خارجية موجهة ومحددة الإطار، ما يبرر اعتماد مقاربة “قدرة مشروطة” بدلًا من “شيك على بياض”.

ورغم أن الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة تتسم بارتفاع الإنفاق الاستثماري الداخلي ضمن برنامج التحول الوطني، في ظل عجز متوقع وتحذيرات من صندوق النقد الدولي من مخاطر تراجع الطلب العالمي على النفط، يؤكد الخوري أن الهوامش المالية لا تزال “ملائمة”، ما يتيح للرياض الوفاء بالتزامات خارجية شرط أن تكون مجدولة ومحمية بضوابط صارمة. وفي المقابل، تتميز دولة الإمارات بنمو غير نفطي قوي ومرونة مالية ومؤسسية أعلى، حسب تقدير الخوري، ما يجعل مساهمتها، سواء المباشرة أو عبر أدوات تمويل مشتركة، أكثر استدامة.

ورغم أن الدور الأميركي والمصري والتركي والقطري في صياغة الاتفاق وبدء تبادل الأسرى وتدفق المساعدات الأولية يوفر أساسًا سياسيًا لبدء التصميم المالي، إلا أن ذلك لا يعفي من اشتراطات صارمة تتعلق بالرقابة والتدقيق وتجزيء الصرف، حسب تقدير الخوري، منوهًا إلى أن تجارب إعادة الإعمار السابقة، لا سيما بعد عام 2014، تقدم دروسًا مباشرة تدفع اليوم إلى تطوير نموذج أكثر فعالية.

أما الكويت، فرغم وفرة أصولها فإنها تواجه عجزًا معلنًا في 2025/2026، ما يرجح، بحسب الخوري، أن تكون مساهمتها في إعادة إعمار غزة انتقائية ومرتبطة بإطارات رقابية واضحة بدلًا من تعهدات مفتوحة. وتبقى الأولوية الداخلية العامل الحاسم في تحديد حجم الدعم الخليجي لإعادة الإعمار ونوعيته، إذ تستنزف برامج التنويع الاقتصادي والمشاريع الكبرى والدعم الاجتماعي حيزًا ماليًا كبيرًا، بحسب الخوري.

وفي ظل أسعار نفط دون مستويات التعادل المالي لمعظم الموازنات، يلفت الخوري إلى أن الحكومات الخليجية تتجه إلى ربط أي تمويل مخصص لغزة بجدوى اقتصادية-اجتماعية قابلة للقياس، وسقوف زمنية محددة، وربما بتوزيع الأعباء على مراحل، موضحًا أن هذا السياق يمنح الإمارات والسعودية ميزة نسبية بفضل أدوات التمويل الأكثر نضجًا، بينما تميل الكويت وسلطنة عمان إلى تقديم مساهمات مركزة عبر قنوات متعددة الأطراف لتخفيف الأثر المباشر على موازناتهما.

وبعد توقيع اتفاق وقف النار واتساع الزخم السياسي في شرم الشيخ، تبدأ العواصم الخليجية بقراءة مرحلة ما بعد الحرب بوصفها فرصة لإعادة الإعمار في غزة، شرط توفر ضمانات سياسية وأمنية أولية، ووفق الخوري فإن وجود ترتيبات أمنية محلية قابلة للتطبيق وإشارة واضحة إلى توزيع السلطة وآليات الحوكمة في القطاع يشكلان شرطين لا غنى عنهما قبل ضخ أموال كبيرة. كما يلفت الخوري إلى أن أي تمويل خليجي واسع النطاق سيطالب بتحويل الحوكمة من مجرد “السماح بالدخول” إلى “إدارة النتائج”، مع إشراك مؤسسات دولية قادرة على ضمان المساءلة الفنية والمالية.

ويقوم النموذج التمويلي الأنسب في المرحلة الأولى لإعادة الإعمار، وفق رؤية الخوري، على “سلم تمويلي” متعدد الدرجات، يبدأ بمنح إنسانية عاجلة عبر صناديق ائتمانية بإدارة دولية، يتبعها مزيج من المساهمات الرأسمالية وصكوك تمويل تنموية موجهة لمشاريع البنية التحتية المدرة للدخل، مثل المياه والطاقة الموزعة والإسكان الميسر، مع إشراك القطاع الخاص الخليجي في عقود البناء والتشغيل والنقل. وهنا ينوه الخوري إلى أن دولة قطر تتميز بخبرة تشغيلية في آليات تحويلات مضمونة إلى غزة عبر قنوات سلعية ونقدية.

للاطلاع على المقال كاملا: اضغط هنا